المقدمــة
تعد الترجمة ركيزة من الركائز الكبرى لسير عمل أي منظمة دولية. لكن أهمية الترجمة في منظمة اليونسكو تحديدا لا تنحصر في وظيفتها العملية البحتـة، بل تـتجاوز ذلك لتشمل وظائفها في ميادين اختصاصها، وهي: التربـية والعلوم والثقافة والاتصال.
وتتجلى السمة البارزة التي تميز عمل اليونسكو في هذا المضمار في نشاطها الخاص بترجمة الآثار الفكرية والأدبـية على نطاق عالمي. وقد جرى تنفيذ هذا النشاط في إطار برنامج ترجمة "روائع الأدب العالمي" على مدى أكثر من نصف قرن، ثم في برنامج "حنين ابن إسحاق" الذي انبثق عنه منذ أوائل العقد الحالي.
برنامج اليونسكو الخاص بروائع الأدب العالمـي
وُضِع برنامج "روائع الأدب العالمي" سنة 1948، بعد سنتين من إنشاء المنظمة، بدافع الرغبة في الإسهام في "بناء حصون السلام في عقول البشر"، كما ينص على ذلك الميثاق التأسـيسـي لليونسكو، وذلك باعتماد الترجمة وسيلة للتعارف والتفاهم والتسامح بين الشعوب.
وتكمن المهمة الرئيسية لهذا البرنامج في تشجيع ترجمة المؤلفات الهامة من الناحيـتـين الأدبـية والثقافية، ولاسيما الأعمال غير المعروفة خارج المحيط الجغرافي واللغوي الذي نشأت فيه؛ والعمل على نشرها وتوزيعها باللغات الواسعة الانتشار.
ويضم فهرس هذا البرنامج المكرس للتعاون والتبادل في المجال الثقافي ما يناهز أربعمائةٍ وألفِ مصنف مترجم صادر في أكثر من ثمانين بلدا بما يناهز مائة لغة أصلية. وقد نشرت المؤلفات المترجمة في إطار هذه المجموعة بالاشتراك مع دور نشر من شتى أنحاء العالم، وأعيد نشر أو طبع ما يفوق ثلاثمائة منها.
معايـير اخـتيار المؤلفات في إطار هذا النشاط
تعتمد المنظمة في هذا المضمار عدة معايـير تستـند كلها إلى مبدإ أساسي أول هو أن تـتسم المصنفات التي يقع عليها الاختيار للترجمة بطابعها التمثيلي، أي أن تعكس بأمانة مقومات المجتمع الذي نشأت عنه، وأن تـتميز بأصالتها الفنية. وهذا يعني أن تكون هذه المصنفات معروفة ومعترفا لها بقيمتها الأدبية والأخلاقية، وأن تحظى بالمصداقية في بيئتها الثقافية الأصلية. بالإضافة إلى ذلك، لا بد أن يكون مضمون الكتاب المزمع ترجمته متماشيا مع المبادئ الأساسية للمنظمة، ومع مثلها العليا، أي ألا يشجع على العنف، أو يـبرر العنصرية، أو يدعو إلى الحرب.
وتستعين اليونسكو في هذا الاختيار بالتقيـيم الذي يصدره النقاد، والأوساط المختصة والهيئات ذات الصلة. كما أنها تبذل قصارى جهدها لمراعاة التوازن الجغرافي فيما تختاره من مؤلفات لتدرج في مجموعة "الروائع".
مراحل إدراج المصنفات في مجموعة الكتب المختارة
تُدرج المؤلفات في هذه المجموعة بعد اقتراحها على اليونسكو بإحدى الطرق التالية:
-
إما بناء على مشاورات تُجرى مع الجهات المعنية في الدول الأعضاء، ومنها اللجان الوطنية لليونسكو؛
-
أو انطلاقا من طلب تـتلقاه اليونسكو من دور نشر، أو منظمات غير حكومية، أو جامعات، أو مراكز بحوث. ويحدث أحيانا أن يقدم هذا الطلب بعض الاختصاصيـين، أو المترجمين، أو الخبراء.
وتخضع جميع الاقتراحات إلى عدد من الشروط كالتالي:
- يُدرس الملف الخاص بالكتاب ومؤلفه، ثم يجري تقيـيم النص الأصلي من النواحي اللغوية والبلاغية، إضافة إلى التحقق من الطابع التمثيلي للكتاب؛
- وبعد ذلك يجري البحث في قيمته من حيث قواعد النشر ومتطلباته، ومن النواحي الفنية، وذلك مع مراعاة العلاقة بـين تكلِـفته والأثر المتوقع منه لدى الجمهور، إضافة إلى الفوائد المعنوية التي تجنيها اليونسكو والجهة التي رشحته للإدراج في المجموعة؛
- وعندما تكون نتيجة التقيـيم إيجابية، يُطلب رأي الطرف المختص في الدولة العضو المعنية، مثل اتحاد الكتاب، أو اللجنة الوطنية لليونسكو، أو وزارة الثقافة. وبعد ذلك تأتي مرحلة تنفيذ المشروع.
مـساهـمـة اليونسـكـو في هذين البرنامجين
تـتوزع مساهمة اليونسكو في برنامج ترجمة المؤلفات ذات القيمة العالمية على ثلاثة مستويات كما يلي:
-
المستوى الفكري، بتحديدها لمحتويات برنامج "الروائع"؛
-
المستوى العملي التـنفيذي، باختيارها أو مشاركتها في اختيار الكتاب ومؤلفه، والمترجم ثم الناشر. وفي سبيل توزيع هذه الترجمات على أوسع نطاق، لاسيما في البلدان التي تـنـتـشر فيها اللغة التي ترجمت إليها الكتب، يَلجأ قسم مطبوعات اليونسكو في كثير من الأحيان إلى التعاون مع دور نشر يختارها على أساس خبرتها المهنية، وقدرتها التـنافسية، واستعدادها لإصدار كتب رفيعة المستوى. كما أن هذا القسم يتابع عن كثب جميع مراحل إخراج الكتب التي يصدرها.
-
المستوى المالي، وقد كانت اليونسكو حتى أوائل العقد الحالي تقدم الإعانة المالية الخاصة بالترجمة، وبشرائها للنسخ التي تـتولى توزيعها وبيعها. وكان المعتاد في هذا المضمار أن يخصص في إطار الميزانية العادية لليونسكو اعتماد مالي يوضع تحت تصرف برنامج "الروائع" الذي يستفيد أيضا من عائدات حقوق المؤلف الخاصة بالترجمات المنشورة في هذا الإطار. ولكن المنظمة تحولت إلى اعتماد سياسة ترمي إلى الحصول على التمويلات اللازمة من الهيئات والمؤسسات المانحة المكرسة لهذا الغرض على الصعيد العالمي.
وفضلا عن ذلك، تقدم بعض الدول الأعضاء معونات من صندوق أموال الودائع المخصصة لترجمة ونشر الأعمال الفكرية والأدبـية لكل منها.
محتويات "الروائع" وأنواعها
حرص المشرفون على "مجموعة روائع الأدب العالمي" منذ بداية إصدارها على أن تـتضمن مختلف أنواع التراث الأدبي العالمي وأشكاله. ولذلك شملت الآداب القديمة والحديثة، وتوزعت على شتى الأنواع الأدبية كما يلي:
-
المؤلفات الكلاسيكية والأساسية في المجالات الدينية والفلسفية والتاريخية؛
-
مختارات من الحكايات والقصص القصيرة من اليونان، وفنلندا، والهند، والمكسيك، وألبانيا، الخ...
-
الشعر القديم والحديث من رومانيا، مثلا، وإيطاليا، وإسبانيا وغيرها...
-
المسرحيات من كوريا واليابان والمجر وأمريكا اللاتينية...
-
أدب الرحلات :ابن بطوطة، كونكولوكورفو، كاداموست...
-
مختارات من القصص والحكايات من ألبانيا والمكسيك واليونان والهند وفنلندا...
آفاق تطوير دور اليونسكو في ترجمـة مصنفات التراث العالمـي
مر قسم المطبوعات الذي اضطلع بتـنفيذ برنامج "روائع الأدب العالمي" في اليونسكو، بمرحلة انتقالية في هذا المضمار. ذلك أن اليونسكو بدأت، منذ معرض فرانكفورت سنة 2000، في تغيـير سياستها من منظمة دولية تطمح إلى القيام بمهمة مباشرة وأساسية في إنتاج الترجمات الممتازة ونشرها، إلى مؤسسة تركز على أداء دور "العامل الحافز" الذي يتولى التشجيع والتنسيق في هذا المجال.
وهذا الاتجاه الأخير هو الذي اختاره المسؤولون عن برنامج "حنين بن إسحاق"، إذ اقتنعوا بأن اليونسكو لا تستطيع أن تحل محل الناشرين أو تـتـنافس معهم. وبالتالي يكفيها في هذا المضمار أن تجمع الأطراف المعنية التي تستطيع أن تـتكفل بسلسلة العمليات، بدءا بالترجمة وانتهاء بتوزيع الكتب المترجمة. ويقوم عدد غير قليل من المراكز والهيئات المانحة بتقديم المساعدة للناشرين الذين يصدرون كتبا مترجمة، وهذا من شأنه أن يخفف العبء المالي عن المنظمة في هذا المجال. ثم إن اليونسكو تعي قدرتها، كمنظمة دولية متخصصة، على القيام بدور الوسيط الذي يجمع، أو يساعد على ربط الصلة، بين المترجمين والناشرين والمؤسسات المعنية. وبعد ذلك تتكفل هذه الأطراف بعملية الإنتاج.
وبعد أن كانت اليونسكو تتولى ترجمة الآداب بنفسها وتقوم في الوقت ذاته بمهام النشر والتوزيع، أصبحت اليوم عبارة عن حلقة وصل أو وسيط يجمع المعلومات الضرورية لاختيار المصنفات الجديرة بالترجمة والعثور على المترجمين الأكفاء والجهات المستعدة لتمويل العملية جزئيا أو كليا، بما في ذلك النشر والتوزيع.
ولذلك تم تطوير فهرس الترجمات Index Translationum من مجرد قوائم إحصائية وتصنيفية إلى مرفق متكامل للمعلومات الخاصة بمختلف جوانب الترجمة في دور النشر قبل صدور الكتب المترجمة ثم بعده. وفي سبيل ذلك تم إنشاء ثلاث قواعد للبيانات:
-
قاعدة بيانات خاصة بالمراكز والهيئات الراغبة في تمويل الترجمات أو القادرة على ذلك.
-
قاعدة بيانات عن دور النشر المهتمة بالترجمة الأدبـية، أو المتخصصة في هذا المجال، ومن بينها دور نشر تسعى دوما إلى اكتشاف آداب مغمورة، أو تحقيق سبق، أو تطمح إلى أن تـتبوأ مكانة خاصة في ميدان نشر الآداب الأجنبـية.
-
قاعدة بيانات بشأن مؤسـسات الترجمة ورابطاتها وجمعياتها، مثل الفيدرالية الدولية للمترجمين FIT .
وقد بدأ جمع كل هذه البيانات والمعلومات في موقع افتُـتح على شبكة إنترنت في أيار/مايو 2002 .
وفي سبيل تشجيع الترجمة باعتبارها وسيلة ممتازة للحوار بين الثقافات، بدأ القسم المسؤول عن برنامجي "الروائع" و"حنين" يعتمد سياسة " كسب الصيت" من خلال رمز اليونسكو، بحيث تصبح مشاركة المنظمة في أي مشروع للترجمة والنشر نوعا من الضمان المعنوي لجودة هذا المشروع ومصداقيته.
وعلاوة على ذلك، فإن قسم المطبوعات يستطيع أن يتعاون مع الأطراف الراغبة في ذلك لإجراء استقصاءات بشأن موضوعات محددة، مثل حوار الثقافات، قصد مساعدة الجهات المهتمة بالترجمة في مجالات محددة على التعاون من أجل إنجاز مشروعات مشتركة. ويؤكد المسؤولون عن هذا الموقع أن اليونسكو تبذل كل ما في وسعها كي تصبح عاملا حافزا على الترجمة سواء في ساحة الكومنويلث، أوفي الساحة الفرنكوفونية أو العربـية، أو في غيرها؛ فهي تصبو دوما إلى بناء جسور التكافل بين مختلف "العوالم" اللغوية والثقافية.
اقتراحات في سبيل تعزيز حوار الحضارات
لما كان الحوار مناقضا للتطرف، ففي زمن التطرف والعنف والصراع، تزداد الحاجة إلى نشر ثقافة الحوار والتفاهم. والحديث عن علاقة الترجمة بـ"الحوار بين الحضارات" هو أيضا حديث عن دور الترجمة في انتقال الأفكار والمعارف والخبرات، وفي انتشارها عبر اللغات والثقافات. كما أن التنوع الثقافي ثروة تعمل اليونسكو على صونها باعتبارها ملكا للبشرية جمعاء. والحوار عبر الترجمة وسيلة فعالة في سبيل صون ثقافات البلدان الأضعف من الناحيتين المادية والاقتصادية بصفة خاصة. ثم إن الترجمة تسهم في عملية الاعتراف بحق الآخر في الوجود والحد من انتشار حالات سوء التفاهم بين الحضارات.
ومن الممكن توظيف الحوار لا للتفاهم مع الآخر فحسب، بل ولإفهامه أيضا أن التطرف والاتكال على القوة لا يضمنان ضمانا دائما الغلبة والسيادة ، وأن سبيل خلاص البشرية جمعاء هو الحوار واحترام التعددية الثقافية.
وبناء عليه، يسعد جمعية "الترجمة العربية وحوار الثقافات" أن تعلن عن استعدادها للتعاون في هذا المضمار، وعن رغبتها في وضع خبرة أعضائها رهن إشارة الأطراف الراغبة في تنفيذ برامج ملموسة في سبيل نشر ثقافة "بناء حصون السلام في عقول البشر" عن طريق الترجمة وعبر التلاقح المتواصل بين الثقافات.
وتقترح جمعيتنا لهذا الغرض إنشاء لجنة أو فريق عمل يتدارس إمكانية تنفيذ مشروع جديد يكرس لتسخير الترجمة في خدمة حوار الثقافات، ويرمي إلى الإسهام في التصدي لنزعات التـنافر بين الثـقافات، إضافة إلى تشجيع المواقف المعتدلة والمنفتحة على الحوار.
ويمكن أن يدرج في إطار هذا المشروع إعداد قاعدة بيانات خاصة بالترجمة في مجال حوار الحضارات وإنشاء مرصد أو هيئة متخصصة في هذا المجال. كما يمكن القيام بعدد من الخطوات، منها على سبيل المثال ما يلي:
-
العمل على إدراج هدف "حوار الثقافات" في الخطط الوطنية للترجمة وفي مشروعات الترجمة على الصعيدين الثنائي والمتعدد الأطراف؛
-
وإعداد برامج وطنية تستهدف نشر ثقافة الحوار بين الحضارات عبر الترجمة؛
-
والاتجاه إلى توسيع نطاق برامج التعاون الثنائي في هذا المضمار مع عدد أكبر من البلدان؛
-
وإبرام اتفاقات تعاون مع المنظمات الدولية، مثل اليونسكو، وإيسيسكو، وألكسو، وغيرها من المنظمات والمؤسسات ذات الصلة؛
-
وإشراك القطاع الخاص والهيئات والجمعيات ذات الصلة في الأنشطة المكرسة لحوار الحضارات.