مقالات ودراسات دراسات دراسات 2009 الترجمة والأنظمة الدلالية المتصادمة
الترجمة والأنظمة الدلالية المتصادمة صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك
تقييم المستخدم: / 3
سيئجيد 
الثلاثاء, 27 أكتوبر 2009 00:00

 

 

الدكتورة حورية الخمليشي

 

كيف تتوصل شبكة الأنظمة الدلالية إلى تنظيم المعنى؟

شكلت الأنظمة الدلالية مدار الحديث في النقد المعاصر، فقد " نقرأ في ألفاظ المؤلف معان لم يكن قد فكر أصلا في إعطائها لها، فهي معان ولدت على العكس في ذهن القارئ أو المترجم." إن ترجمة الكلمات والمصطلحات والتعابير مسألة تصادفنا في كل أنواع الخطابات وتطرح الأنظمة الدلالية مشاكل مضاعفة في عملية الترجمة، لأن عملية الترجمة لها أبعاد دلالية أكثر حدة إذ لا بد من معاينة الحقول الدلالية في كل من اللغتين المترجم منها والمترجم إليها خاصة في النصوص الإبداعية التي غالبا ما تواجهنا فيها مصطلحات وتعابير ليس لها مقابل في اللغة المترجم إليها، فتحتاج إلى مجهود توليدي مضاعف.

ولذلك اهتمت  الترجمة الدلالية بنقل المعنى الذي يراعي الدلالات التركيبية والنحوية، وهي عكس الترجمة الحرفية التي تهتم بترجمة النص كلمة كلمة بهدف تحقيق التواصل، أو ما يسميه البعض بالترجمة التواصلية. فاللغة تحمل وجهين دلاليين، المعنى الظاهر المتعلق باللفظ والمعنى الخفي الذي هو المعنى الثاني أو المعنى التركيبي. لهذا نجد أن النصوص المترجمة تعرف إبدالات كبيرة في اللغة والصور التي تنظم أنظمتها الدلالية.

إن ما تطرحه الأنظمة الدلالية من صعوبات جعل اللسانيات البنيوية تهتم بمسألة الدليل والمعنى، "إذ وضعت من جديد مفهوم المعنى تحت إمبراطورية الدليل"، وفي درس اللسانيات العامة عند دو سوسور "الدليل هو ظاهرة ذات وجهين يقابل ويربط الدال (صوتي، كتابي، حركي، إلخ) بالمدلول المتلازم (...) وقد أعطى دو سوسور تفسيرا بسيكولوجيا وسوسيولوجيا لهذه العلاقة المتبادلة : الدال هو صورة صوتية للكلمة، أما المدلول فهو التصور المطابق (...) فبالنسبة للمتكلم يعتبر المدلول وديعة مسجلة في اللاشعور بحيث يمكن توظيفه بمناسبة حدث معين في الكلام."

ويمكن التخلي عن هذا النسخ البسيكولوجي والسوسيولوجي، فالمهم يكمن في أن الدال والمدلول هما متلازمان كما هو الشأن بالنسبة لوجه وظهر الورقة، اللذان يقصان بمقص واحد خاضع لضوابط اللسانيات(...) وهكذا يمكن أن نشتق نظرية للمعنى من التحليل للدليل طبقا للتحليل البنيوي".

إن شبكة التصوير في النص الأدبي مثلا نابعة من المستوى التخييلي للنص الإبداعي، الذي تربطه بشبكة من العلاقات المتحكمة في النص، يقول إدريس بلمليح : "إن الثوابت المقطعية داخل نص شعري معين تعتبر في رأينا أساسا لما بمكن أن نسميه شبكة التصوير داخل هذا النص. ومعناه أن الغلاف التخيلي للقصيدة الشعرية خاضع بكل أبعاده الدلالية للوحدات المتصاوتة التي تنبني عليها هذه القصيدة. ولذلك فإنه لا معنى لأن نتناول أدوات التصوير والتخيل وفق المنظور التجزيئي الذي يدرس الظاهرة البلاغية منفصلة عن سياقها ضمن نص محدد؛ وإنما لابد من اعتبار الأداة التخيلية وحدة متميزة باستقلالها الذاتي أولا، ثم التعامل معها على أساس أنها وحدة متلاحمة بغيرها من الوحدات المتشابهة والمتخالفة معها في المستوى التخييلي للنص الفني. وهو ما يوجب فهمها ضمن شبكة من العلاقات التي لا نستطيع أن نفسرها إلا بالرجوع للثوابت المقطعية المتحكمة في هذه الشبكة، بنحو ما تحكمت في غيرها من المستويات." ولهذا اعتبر الباحث أن  المجاز مثلا "ليس علاقة لفظ بلفظ فقط، وإنما هو مجاز كلي تخضع فيه مجمل العناصر البلاغية لنظام نصي يكون صورة كلية لا يمكن أن ندرك أبعادها إلا بتتبع تطور عناصرها، ودراسة علاقة هذه العناصر. وهو أمر لا نستطيع التوصل إليه عن طريق الدلالة الجزئية للأداة البلاغية، وإنما يتطلب منا الوقوف عند هذه الدلالة أولا، ثم دراسة وظيفتها ضمن الدلالة العامة لشبكة التصوير بعد ذلك."

وقد عمد الرازي إلى توضيح علاقة المعنى بالصور الذهنية، يقول : "المعنى اسم للصورة الذهنية لا للموجودات الخارجية (ويأتي بمثال) (...) إذا رأينا جسما من البعد، وظنناه صخرة قلنا : إنه صخرة، فإذا قربنا منه وشاهدنا حركته وظننا، طيرا قلنا : إنه طير، فإذا زاد القرب علمنا أنه إنسان قلنا : إنه إنسان، فاختلفت الأسماء عند اختلاف التصورات." والملاحظ أن الرازي يربط الدلالة بقصد الباث أو المرسل، وبه أيضا ترتبط دلالة الألفاظ التي تخضع لتصوره. لذلك كان مصطلح التخييل يتضمن الصور والمجازات والاستعارات والدلالات الغير المباشرة وكل القرائن التي يمكن أن تثير خيال القارئ وأحاسيسه، لذلك يبقى التخييل هو أفق الانتظار في سياق نظرية التلقي أما الواقع فهو مجموع تيمات النص ومضمونه.

وقد تحدث ياكوبسون عن الوظيفة البلاغية في سياق حديثه عن الوظيفة الشعرية فالوظيفة الشعرية عند ياكوبسون توضح أنه "قد يحصل أيضا أن يكون هدف المرسول هو المرسول ذاته. من حيث هو واقع مادي، بمعزل عن معناه. وهذه هي الوظيفة الشعرية التي لا تنحصر في الشعر بمعناه المحدد، والتي يمكن أن نسميها بالوظيفة البلاغية. تظهر هذه الوظيفة بمجرد أن يكون للدال أهمية معادلة لأهمية المدلول أو بمجرد أن يكون للدال أهمية أكبر من أهمية المدلول.

هذا جناس وهو أحد الأوجه البلاغية التي بجانب السجع والنبر والاستعارة والطباق (النقيض) التهكم.. إلخ – تجعل المرسول إيحاء وتضمينا أكثر مما يكون تسمية، حيث للموسيقى أو لصور الجملة دورا أكبر. إن الخطاب الشعري خطاب غير قابل للترجمة لأن الترجمة تقوم على إحلال دوال محل دوال أخرى. إن الخطاب الشعري خطاب إخباري مع ذلك، ولكنه إخباري على طريقته الخاصة.

إن الوظيفة الشعرية لا تتعلق بالسؤال صحيح/خطأ ؟ ولا بالسؤال صادق/كاذب ؟ بالسؤال : جميل أو قبيح ؟ (أعرف الفئة المثقفة لا تقبل بتاتا لفظ (جميل)، ولكني لا أستسلم لإحلال ("مقبول استيتيقيا" محله)."

إن الإشارات أو العلامات أو الاستراتيجيات الخطابية هي التي تحيل القارئ على الدلالات الحقيقية أو المحتملة التي يفترضها النص.

وتحدث جمال الدين بن الشيخ عن القافية بوصفها عاملا صوتيا – دلاليا وعن دورها في عملية الإبداع، فرأى أن بعض النقاد القدماء قدموا بعض الدراسات المعيارية كالجمحي وابن قتيبة وابن المعتز وثعلب والعسكري والنويري مستدلين ببعض القواعد المستعملة مع ذكر العيوب التي يمكن أن يقع فيها الشعراء. فوقف على نصوص متعددة لكل من قدامة بن جعفر وابن رشيق وابن خلدون. وتوصل جمال الدين بن الشيخ انطلاقا من آراء قدامة في القافية الاستنتاج التالي الذي يفرض نفسه كما يرى الكاتب : "تقع الكلمة – القافية في الوقف أي مقطع البيت. غير أن هذا الوضع ليس وضعها من حيث طبيعتها، فهو ليس سمة أو صفة ملازمة لها. فلا وجود لفئة "قافية" يشكلها صنف معطى من الكلمات. ونتيجة ذلك، لا يجب تناولها بوصفها قافية، بل بوصفها دالا مدمجا في السلسلة الدلالية للبيت.

 

إن جدول العلاقات التي كشف عنها قدامة يمكن وضعه على الشكل التالي :

دال ----------> مدلول

دال ----------> وزن

مدلول ----------> وزن

فالقافية، بوصفها دالا مدمجا في معنى ما، لا يمكنها أن تدرس إلا في علاقتها مع المدلول ؛ وما يلفت النظر هو أن جون كوهن الذي نظر في الأمر بمنطق بنيوي – وهو ما كان يجهله قدامة – قد توصل إلى استنتاجات تتشابه إلى حد كبير مع استنتاجات قدامة، وهي استنتاجات تتصل بالشعر الفرنسي كتب بشأنها : "تتحدد القافية في علاقتها مع المدلول. وهذه العلاقة إما أن تكون موجبة أو سالبة، غير أنها، في كل الأحوال، علاقة داخلية ومشكلة للوسيلة، وداخل هذه العلاقة يجب أن تدرس القافية."، ثم يقول في مكان آخر: "ليست القافية هي التي تحدد نهاية البيت، بل إن نهاية البيت هي التي تحدد القافية. فالقافية بمفردها ليست عاجزة فقط عن ختم بيت ما، بل إنها لا تدرك كذلك إذا لم يقع عليها نبر ما. وقد نضيف أنها لا تدرك كذلك إذا لم تعقبها وقفة"."

ويضيف جمال الدين بن الشيخ بعد دراسة تحليلية للقافية الوسطية والتكرار والغموض والتجنيس بانتقاء أمثلة تشمل كل الأنواع التي تتعدد بالنسبة لكل شاعر موضحا تناسل المحسنات الصوتية – الدلالية في شعر أبي تمام، فتوصل إلى أن الشاعر ينظم بيته حول نواتين أو عدة أنوية صوتية دلالية يكون حضورها محددا حسب أهمية المحسن في البيت لا حسب مقولة التجنيس للتمييز بين الدرجات الفاعلة في عملية الإبداع، إلا أن النماذج المختارة شاملة ومتعددة الأنواع التي يميزها المنظرون. فأقر بحتمية مسلك المعنى الذي يفرض على الشاعر، وأمثلة التجنيس توضح ذلك، "فالشاعر، وهو يجزئ بيته، ويسير في نهجه بقفزات متتابعة، يكون منشغلا بجر معناه إلى القافية. ولا يمكن للشاعر أن يجعل المعنى يتخطى هذا المسار إلا بعد أن يتأكد من قبل من مخططه، ويحده أيضا بأنوية حشو صوتية – دلالية. إن المسألة كلها، بالنسبة إليه، هي أن يوسع إلى أقصى حد من حريته لكي يتخذ المسار الذي اختاره باتجاه هدف محدد سلفا." فيكون البيت وليد هذه المواجهة.

 

إن الانشغال بماهية الصورة طرح مشاكل متعددة في الترجمة، وقد شغل هذا المفهوم أيضا بال اللغويين والمفكرين والفلاسفة وعلماء النفس. فقد درس جابر عصفور الدلالات العامة لكلمة "التصوير" ومشتقاتها، في كتب الجاحظ : "كتاب الحيوان"، "البيان والتبيين"، وفي رسائله المعروفة، يقول : "فهو - في أحيان كثيرة - يستخدم الكلمة ليشير بها إلى مجرد الصياغة والتشكيل، وهنا يصبح "التصوير" مرادفا للصنع، ويصبح الفعل "صَوَّر" مرادفا للفعل "صنع" وتصبح كلمة "الصورة" مرادفة للشكل أو الهيئة أو الصفة. وفي مرات أخرى يستخدم الجاحظ الكلمة ليشير بها إلى عملية المخادعة أو التشكيل المخادع، حيث يقدَّم الشيء على أنه شيء آخر أو يتشكل في هيئات متنوعة غير حقيقية. وهنا يترادف "التصوير" مع "التخييل" وهو مصطلح آخر يستخدمه الجاحظ - في مواضع من الحيوان - ليشير به إلى توهم كائنات أو أشياء غير حقيقية، مثل الغيلان، أو عزيف جن أو ما أشبه." "لقد ذهب شراح أرسطو إلى أن كل شيء مصنوع لا بد له من صورة وهيولى - أي شكل ومادة - يتركب منها، وقالوا إن العلاقة بين الاثنتين وثيقة، فلا الصورة تستغني في وجودها عن المادة أو الهيولى، ولا المادة يمكن أن توجد بالفعل - وإن كان من الممكن أن توجد بالقوة - دون صورة. لكن المادة الواحدة يمكن أن تتشكل بأشكال أو صور مختلفة، تتفاوت قيمتها تبعا لما يحدث فيها من تأليف مخصوص، أو نسبة بين الأجزاء. فمن الممكن أن نجد أشياء كثيرة، هيولاها واحدة وصورها مختلفة، (مثال ذلك... الباب والكرسي والسرير والسفينة وكل ما يعمل من الخشب. فإن اختلاف أسمائها إنما هو بحسب اختلاف صورها، فأما هيولاها التي هي الخشب فواحدة. وعلى هذا المثال يعتبر حال الهيولى والصورة في المصنوعات كلها، لأن كل مصنوع لا بد له من هيولى وصورة يركب منها).

ولعل مفهوم الاستعارة وتوظيفها أهم ما يشغل الدارسين في النقد المعاصر وفي اللغات الإنسانية. فهي موضع اهتمام اللسانيين والأنتربولوجيين، وفلاسفة اللغة، وعلماء النفس... ويقول محمد بنيس أن الدراسات البلاغية تتميز "باختلاف رؤيتها لفاعلية الصورة وتراتبها، بتصنيف الصور الشعرية المعدودة تحت خانات الأنواع البلاغية المتداولة. وهكذا تعطي أسبقية لعرض صور مقتطعة من نصوص عديدة ضمن النوع الذي أخضعتها إليه البلاغة، فتقدم الصورة في هذه الحالة من غير مراعاة للنصوص وأزمنتها وأصحابها، كنماذج للاستشهاد على وجود النوع، فضمن التشبيه مثلا يتناول البلاغي أصناف التشبيهات لدى عدد من الشعراء أو لدى شاعر، وكذلك حال الاستعارة والمجاز وغيرهما من أنواع الصور الشعرية.

 

وسنعرض لبعض آراء غير العرب والمستشرقين للاستعارة، فقد عرَّف أرسطوط (Aristote) الاستعارة بنقل اسم مستعار، أو نقل من جنس إلى نوع، أو من صنف إلى جنس، أو من صنف إلى صنف، أو يمكن تعريفها بالتماثل، وتجدر الإشارة إلى أن معنى الكلمة هو الذي يُنقل وليست الكلمة نفسها. حينما نقول مثلا "هذا الرجل أسد" فكلمة "أسد" ما هي إلا دليل يجسد مخلوقا ما يتسم بالشجاعة، والقوة، والسرعة وليس الحيوان الذي يحمل هذا الاسم.

أما سيسرون (Cicéron) فيُعرِّف الاستعارة بـ"الاقتباس" (emprunt): عند انعدام الكلمة الحرفية، يُأخذ من موضع آخر ما لا نملكه شخصيا، وهذا صحيح في بعض الأحيان مثل "ذراع كرسي les bras d’un fauteuil"، لكن غير صحيح لكل الاستعارات مثل ما جاء في قوله تعالى في آية 223 من سورة البقرة : ﴿نساؤكم حرث لكم فاتوا حرثكم أنَّا شئتم﴾ (Vos femmes sont, pour vous, un « labour ». Allez à votre labour quand vous le voulez)

أما إرنست إيلزر (Ernest Elser) وهو من المُحْدثين فيرى أن هيئة الاستعارة تضيف لقضية A قضية مشابهة B أو تغيير A مباشرة ب B.

والاستعارة، بالنسبة لمروزو (Marouseau)، هي أسلوب (procédé) للتعبير كالنقل من المجرد إلى الملموس بنوع تشابهي مختصر مثل "دُعابة لاذِعة (plaisenterie mordante)، وقد يهم النقل من مجرد إلى مجرد مثل ما جاء في قوله تعالى في الآية 19 من سورة نوح ﴿والله جعل لكم الأرض بساطا﴾ «Et Dieu fit, pour vous, de la terre, un tapis». وتجدر الإشارة أيضا إلى أن هناك نوعان من الاستعارة : الاستعارة الأدبية واستعارة الخطاب العامي.

يرى لويس ماسينيون (Louis Massignon) في تقديمه لكتاب "الاستعارة في القرآن" للصباغ أن النص القرآني لعب دورا محوريا في تكوين العربية الفصحى.

إن مشكلة "الاستعارة الشرعية" أو "المجاز الشرعي" كما يسميها ماسينيون والتي طرحها المعتزلة، ما هي سوى وجه مشكل عام ألاَ وهو انطلاق الاستعارة في تاريخ المصطلح التقني  للغة الحضارة. إن التاريخ الطويل للتفسير القرآني لم يُنِر تكون النحو العربي فحسب بل تكون المعجم التقني لعقيدة الإسلام.

ولقد أثارت مسألة إعجاز القرآن وفصاحته إلى تأسيس علم البيان العربي، وذلك منذ القرن التاسع حيث اكتشفت مختلف أنواع الاستعارات، وقد مثل تطور الأفكار في هذه المرحلة ثلاثة من الكتاب ويظهر هذا عند الباقلاني الذي تأثر بالفكر الهيليني فقد ارتكز شرحه على توضيح مسلّمة الإعجاز في القرآن المتمثلة في أسلوبه البياني بتعريف الاستعارات في مصنفه علم البيان ويبدو عبد القادر الجرجاني في مصنّفه مهتما بتعريف الاستعارات، إلا أنها ظلّت قريبة من حيث المفهوم بمفاهيم الباقلاني في حين نجد أن مصنف عبد العزيز السلمي غاية في الدقة إذ  شكّل مؤلفه "الإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز في القرآن" ترتيبا للاستعارات التي وضفت في القرآن.

وتظل حدود المجاز في اللغات الأخرى قياسا إلى العربية ضيقة. لذلك تقتصر اللغات الأخرى عن ترجمة معاني القرآن الكريم دون أسلوبه البياني المعجز لما فيه من ألوان التعبير المجازي. يقول ابن قتيبة : "وللعرب المجازات في الكلام... وفيها الاستعارة والتمثيل والقلب والتقديم والتأخير والحذف والتكرار والإخفاء والإظهار والتعريض والكناية... وبكل هذه المذاهب نزل القرآن، ولذلك لا يقدر أحد من التراجمة على أن ينقله إلى شيء من الألسنة، كما نقل الإنجيل عن السريانية... وترجمت التوراة والزبور وسائر كتب الله بالعربية، لأن العجم لم تتسع في المجاز اتساع العرب. ألا ترى أنك لو أردت أن تنقل قوله تعالى : ﴿وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء﴾ لم تستطع أن تأتي بهذه الألفاظ المؤدية عن المعنى الذي أودعته حتى تبسط مجموعها، وتصل مقطوعها، وتظهر مستوردها فتقول : إن كان بينك وبين قوم هدنة وعهد فخفت منهم خيانة ونقصا، فأعلمهم أنك قد نقضت ما شرطت لهم، وآذنهم بالحرب، لتكون أنت وهم في العلم بالنقض في استواء. وكذلك قوله تعالى : ﴿فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا﴾. إن أردت أن تنقله بلفظه لم يفهمه المنقول إليه، فإن قلت : أنمناهم سنين عددا لكنت مترجما للمعنى دون اللفظ. وكذلك قوله : ﴿والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا﴾. إن ترجم بلفظه استغلق، وإن قلت : لم يتغافلوا، أديت المعنى بلفظ آخر."

يكشف النص قدرة اللغة العربية على ترجمة الأفكار والمعاني المنقولة من لغات أخرى والتعبير عنها تعبيرا بيانيا جميلا قد يفوق الأصل حسنا بل قد يضفي عليها المترجم عناصر جمالية جديدة تجعلها أجمل من الأصل لما في اللغة العربية من مجازات وخصائص بلاغية، وقد ترجمت الكتب المنزلة إلى العربية، وأشار الجاحظ إلى أن الكتب المنقولة إلى العربية جاءت أكثر حسنا وجمالا يقول : "وقد نقلت كتب الهند، وترجمت حكم اليونان، وحولت آداب الفرس، وبعضها ازداد حسنا، وبعضها ما انتقص شيئا."

ويرى أبو هلال العسكري أن "العجم والعرب في البلاغة سواء، فمن تعلم البلاغة بلغة من اللغات ثم انتقل إلى أخرى أمكنه من صنعة الكلام ما أمكنه من الأولى." لكن هل كل الاستعارات قابلة للترجمة؟ إذ يرى سعيد الغانمي قي سياق حديثه عن الاستعارة عند ريكور "أن الاستعارات الواقعية غير قابلة للترجمة. ولا تقبل الترجمة سوى استعارات الاستبدال، حيث يمكن فيها استعادة الدلالة الحرفية. أما استعارات التوتر فغير قابلة للشرح والتفسير، ما دام الشرح غير متناه، ولا يستهدف استنفاد المعنى المبتكر. والنتيجة الثانية أن الاستعارات ليست تزويقا لفظيا للخطاب. بل لها أكثر من قيمة انفعالية، لأنها تعطينا معلومات جديدة. وبوجيز العبارة، تخبرنا الاستعارة شيئا جديدا عن الواقع."

 

إن النصوص المترجمة هي أكثر النصوص التي تطرح بحدة مسألة الأنظمة الدلالية المتصادمة في تحليل أنواع الخطابات وفهمها وتأويلها وفهمها واستيعابها، لذلك فهي تستلزم منهجية علمية أكاديمية للتوصل إلى المعنى وإنتاجه زيادة على الموهبة فيما يتعلق بالنصوص الأدبية.

 

المصادر والمراجع

 

1.    الفخر الرازي، التفسير الكبير، طبعة الحسينية، القاهرة، بدون تاريخ، الجزء الأول.

2.    ابن قتيبة، تأويل مشكل القرآن، تحقيق إسماعيل الخطيب، مصر 1961.

3.    الجاحظ، الحيوان، م 1، تحقيق عبد السلام هارون، ط 3، مصر، 1965.

4.    أبو هلال العسكري، ديوان المعاني، ج 2، طبعة القدسي، القاهرة، (1352ﻫ) 1931م.

5.    محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي(إعداد وترجمة)، اللغة، دفاتر فلسفية (نصوص مختارة)، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط4، 2005.

6.    جمال الدين بن الشيخ، الشعرية العربية، ترجمة مبارك حنون ومحمد الوالي ومحمد أوراغ، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 1969.

7.    جابر عصفور، "الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب"، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثالثة، 1992.

8.    ريجيس بلاشير، القرآن، ترجمة رضا سعادة، دار الكتاب اللبناني، بيروت الطبعة الأولى، 1974.

9.    إدريس بلمليح، المختارات الشعرية وأجهزة تلقيها عند العرب من خلال المفضليات وحماسة أبي تمام، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، ط1، 1995.

 

 

10.    George Mounin, Linguistique et traduction, Bruxelles, Dessart et Mardaga, 1976.

11.    Encyclopedia Salls n° 14, Régulation Smith, (sans année).

12.    W. Iser : L’acte de la lecture : Théorie de l’effet esthétique. P. Mardaga. 1985. Bruxelles.

13.    F. Rutten : "Sur les  notions  de texte et de lecture dans une théorie de la réception" Revue des sciences  humaines N° 177/1980. Lille..

14.    T. Sabbagh, La Métaphore dans le Coran, Librairie d’Amérique et d’Orient, Paris, 1943.

15.    L. Massignon, Préface de La Métaphore dans le Coran de T. Sabbagh, Librairie d’Amérique et d’Orient, André Maisonneuve, Paris, 1943.

 

فصل من كتاب لم ينشر بعد

 

 

 
meilleur site vente viagra 
levitra recept 
viagra vente en ligne 
viagra generico nas farmacias 
acheter du levitra 
viagrasoft 
viagra marque 
cialis medicinale 
viagra kaufen in deutschland 
kamagra generika 
levitra generika nebenwirkungen 
viagra rezeptpflichtig 
viagra quebec 
viagra generico europa 
precio farmacia viagra 
achat medicament cialis viagra sans prescription acheter kamagra en france ou acheter du pro viagra vente viagra bruxelles acheter du cialis au québec achat levitra in viagra pour femme tadalafil mg viagra generique en inde levitra prix pharmacie viagra pfizer acheter viagra cialis cialis d'inde cialis veritable