حوار مع الأستاذ ضياء الموسوي
السيد ضياء الموسوي باحث ومفكر إسلامي اختلف بشأنه الكثيرون، يؤمن إيمانا جازما بثقافة الحوار وله فيها باع طويل، يحاول أن ينير بشمعة ظلمات تكدست فوق عالمنا بجرأة غير معهودة وشفافية في الطرح، كما أنه يمتلك ناصية الحديث الذي يستطيع بفطنته وكياسته أن يجعلنا ندرك ما يريد دون مواربة ودون خوف .. وعلى الرغم من ضوء الشمعة الباهت فإننا نثق في قدرته على هتك ستر الظلام الذي يلفنا وتضيق به أنفاسنا ..
السيرة الذاتية:
-
شاعر وأديب وباحث وعالم دين من مواليد البحرين عام 1970م.
-
درس العلوم الدينية في قم وبلغ مرحلة الدراسات العليا (البحث الخارج).
-
حاصل على شهادة بكالوريوس في الأدب العربي وماجستير في فقه السنة .
-
يكتب عمودا يوميا في الصحافة المحلية في البحرين، وكذلك في صحف أخرى منها الحياة والراية القطرية.
-
صدر له كتابان: " مقالات في زمن الردة " و"علي وحقوق الانسان".
-
له كتابان قيد الطبع: "الشيعة في الخليج من المواجهة الى المراجعة" و"ثقافة التخوين في الخطاب الاسلامي".
-
يرأس حاليا مركز الحوار في البحرين الذي يهدف إلى تعزيز الحوار بين مختلف الثقافات والمذاهب والأديان.
ذكرت فى إحدى مقالاتك " ليس دور المثقف أن ينثر علي الجراح زهورا وورودا، ليس دوره أن يبتسم في وجه الحزن، وأن يوزع ألوان المدح على جدران مطلية باللون الأسود" .. فما هو دور المثقف الحقيقي الذي تطالب به؟؟
دور المثقف أن يحمل ريشته ليصارع أسماك القرش في الساحة الثقافية ليحمي حوريات البحر المهددة من قبلهم.. نحن اليوم في معركة كبرى تريد اغتيال الجمال والمرح والفن في الحياة.. يريدون اختزال العالم في سكاكين وورود، دورنا هو إخراج الشباب العربي والإسلامي حتى في المهجر من الغيبوبة، أن نخطفه نحو بحر العقل بدلا من زنزانة العاطفة، دور المثقف أن يزرع ثقافة الحياة والإنتاجية والإبداع، دور المثقف أن يقف في وجه العاصفة ولو ببرغماتية بشرية للحفاظ على الحقيقة والحفاظ على الذات أيضا، دور المثقف أن يكون متوزانا في أطروحاته بلا تطرف، فالدكتاتورية الإسلامية هي الوجه الآخر للديكتاتورية العلمانية ولا فرق بينهما، دور المثقف أن يوزع ورود السلام والمحبة على المجتمع وأن لا يفرق بين الثقافات والأديان والمذاهب والفرق وبين بني البشر. دوره الحقيقي هو توزيع دلاء التوازن بين البشر وأن يوزع كعكة المعرفة على الناس بدلا من المخدرات المؤدلجة التي توزع على الناس والمسكونة بالمؤامرة وبالبرانويا والعقد النفسية، ليس دوره البحث عن رضا السلطة أو ابتسامة الجمهور، دوره أن يخرج الحقيقة من سجون كل هؤلاء، أن لايكون نرجسيا يعاني انتفاخا أنويا، أن يحول الثقافة إلى خبز يأكله الجميع بلا استعراض في الحروف.
نعاني من هزيمة حضارية في واقعنا السياسي والثقافي والاقتصادي وحتى على المستوى الاجتماعي نتيجة لنقص فى ثقافة الحوار، كما أننا وللأسف نبرر السقوط بثقافة المؤامرة، فكيف نخرج من مأزق المؤامرة ونحن ندرك أن الخراب من داخلنا؟؟
المؤامرة هي الحليب اليومي الذي نسقيه أطفالنا كل صباح على عكس العوائل اليابانية التى تطعم أبناءها كيف يتلقفون إيجابيات الغرب، لذلك نحن نحتاج إلى سوشي ياباني نضعه في عقولنا علنا نحظى بالعقلانية لأن تضخيم المؤامرة صورة لأجل الاستمرار في الشخير العام والنوم على فراش الماضي والتاريخ..
"إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر". نحيا الآن وللأسف زمن الفتاوى وثقافة الاتكال وتأجير العقل العربي الإسلامي لعبودية "الجبة والقفطان" فكيف نعمل على زرع ثقافة إخضاع العقل للمنطق؟؟
الفتاوى خربت عقول الناس ومزقت جمالية ذوقهم وألقته في زبالة الثقافة المؤدلجة فبعض الجبب حجبت الشمس عن عيون العامة حتى بتنا نحتاج إلى فتوى كي ندخل الحمام أو نسمع موسيقى أو نركب سيارة .. وفتاوى تيك آوي التى رفعت من مادة الكلسترول لدى المجتمع وأوقعته تحت رحمة الذبحات الصدرية لذلك نحن نريد مؤسسات معرفية تدار بعقول استراتيجية وليست فتوائية.
وتلك المسألة تحتاج إلى منهج وتغيير للبنى الفكرية وللتعليم والتربية وإذابة جليد الماثولوجيا لأنه وللأسف هناك دكاكين تجارية صادرت العقل وتعتبره طريقا للزندقة، وهناك نظام مصالح أيضا يرفض العقل. لذا نحتاج إلى عمليات جراحية باترة وليس إلى مسكنات لن تمنع عودة المرض مرة اخرى، مع إخضاع العقل للمنطق ..
تنادي بأن نؤهل الشباب لثقافة المحبة والحوار مع الآخر فما هي أساسيات تلك الثقافة وكيف يتم زرعها وشبابنا مغيب ما بين ثقافة الهلس الفضائي والبحث عن ذاته الضائعة؟؟
علينا أن نبدأ بالأسس الثقافية أولا وأن نبدأ بالتربية، كما يجب على المرأة الأم أن تعيد قراءتها لتربية الطفل ..
وتقول له : اشرب الحليب حتى يحبك الله لا أن تقول له اشرب الحليب حتى لا يغضب عليك الله.
هل نستطيع أن نقول إن المسلمين فى صدر الاسلام كانوا أكثر انفتاحا من مسلمي اليوم، إذ استعانوا فى حياتهم بالخبراء الأجانب من بيزنطيين ومسيحيين لتنظيم بعض شؤونهم، فهل هناك نقطة التقاء بين مسلمي اليوم ومسلمي الأزمان الغابرة؟؟
المسلمون في السابق يحبون الموسيقى والعلوم والفنون والكيمياء والطب والهندسة ويمرحون ويرفهون عن أنفسهم ولهم صداقات مع الأديان الأخرى. نحن اليوم نعاني من ردة كبيرة ولو جاء الأنبياء لزايدنا على إيمانهم. نرجسيتنا الفاقعة تزايد حتى على السماء.
يقول الإمام علي رضي الله عنه "أحب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما"، وهنا يدعو الإمام رضي الله عنه إلى تأسيس ثقافة الحب والكره الوسطي، وكيف نؤسس ثقافة جديدة في المجتمع العربي تقوم على الحب والتسامح بدلا من العنف؟؟
بالتطبيق العملي والتدين السلوكي. شبعنا من مكياج الوحدة الذي يوزع في المؤتمرات. نريد علاقات صادقة على الأرض وفي الأعياد والسفرات والرحلات والمؤسسات المشتركة والكتب التعليمية المشتركة التي تؤسس للإنسانية.
الحياة .. الجمال .. الإنسانية .. السلام .. كلها قيم إن وجدت في المجتمعات التي تبحث عن التطور الإنساني نجدها وللأسف محاطة بأسلاك شائكة من العصبية والطائفية، فما هو العمل على ترسيخ تلك القيم بعيدا عن العنصرية والطائفية التي تموج بها مجتمعاتنا الإنسانية دون تفريق بين غرب وشرق؟؟
العمل الجاد على زراعة زهور السلام في الحدائق الثقافية العامة وأن نعمل ليل نهار في الإعلام والصحافة والتربية الخ بهكذا مناهج.
من أقوالك "من المعروف أن المجتمعات المنفتحة هي التي تعمل على أن يقدس أهلها ثقافة الحياة مما يكسب حضارتهم ثراء فكرياً وعمقاً دنيوياً”. فكيف لنا أن نربي أبناءنا على ثقافة حب الحياة واحترامها؟؟
أن نزرع فيهم حب الموسيقى والفن ونربيهم تربية جمالية ونجمل لهم حب الطبيعة والأناقة ونطور من ذائقتهم الجمالية وأن نصنع لهم الجو في ذلك.
الترحال يعتبر للمثقف رغبة في الاكتشاف واختراق العادة والاطلاع على ثقافة الآخر عن قرب ومحاولة ترجمتها، ولكن من الملاحظ أن قليلا من المثقفين هم الذين يتحركون فى شتى الاتجاهات والقادرين على التنقل الأن من هنا إلى هناك، عكس روادنا في الترحال قديما حيث نقلوا بشفافية ما كان يدور ويمور فى تلك المجتمعات رغم قلة الموارد وصعوبة التنقل، إلا أننا لا نجد مثقفينا ينقلون لنا ما يدور فى تلك المجتمعات بصدق، واعتمدوا على الفضائيات لتصبح رحلاتهم المكوكية كل يوم تدور فى فضاء فردي لا نفع فيه، فما العمل حتى نثبت ثقافة البحث عن الآخر ونقلها للأجيال كما هي وبلا تحريف؟؟
إن غالبية المثقفين اليوم يلعبون لعبة الدكاكين التجارية، يعرفون جمالية الشعوب لكنهم يعمون الناس عنها ليعتاشوا على نظرية المؤامرة، لذا فدورنا أن نركز على جمالية الغرب على طريقة ثورة الميجي اليابانية، وعندما نترجم أو ننقل شيئا يهم ثقافة الآخر يجب أن تحكمنا الشفافية والأمانة والصدق.
كيف لنا أن نكتشف مواطن النور في الفلسفة الغربية وإلغاء مواقع ظلامها التي تضع الفكر العربي وثقافته الإنسانية في موضع الشك والثقافة الإرهابية؟؟
فلسفة الغرب غالبيتها إشراق "الصدق، الأمانة، التخصص، العمل الجاد، حب العمل، القراءة، البحث العلمي"، فلنركز على الجوانب المشرقة منها ونبثه في عقول الشباب.
كيف لنا أن نحافظ على ثوابتنا وقيمنا دون أن نلغي قيمة الاجتهاد في اكتشاف وتوطين ثمرات الحضارات الأخرى؟؟
قيمنا ليست زبدة دنماركية تذوب أمام أي حرارة خفيفة. هذا الدين لايموت. الحل فلنحافظ على قيمنا مع رفع القبعة لقيم الآخرين.
رغم أن مصطلح التسامح قد لاقى معارضة ونقداً شديداً باعتباره معنياً في جوهره يؤصل لنظرة فوقية بين المجتمعات، بمعنى أن القوي يعفو ويصفح عن الضعيف من منطق الفوقية، فقد دعت المدارس الثقافية الناقدة والمهتمة بالمصطلح إلى إيجاد علاقة متوازنة تقترب من الحوار والقبول باختلاف الآخر وإنشاء الحوار بين أفراد المجتمع الواحد باعتبارهم سواسية لا تمييز بينهم، فهل نستطيع أن نقول إننا أفلحنا في تأصيل هذا المعنى؟؟
بالطبع لا وللأسف لأن 96% من خطابنا متوتر كفهد إفريقي وكتمساح صيني وذلك لأن لفظة تسامح غائبة من خطاباتنا، لذلك إذا أردنا تأصيل هذا المعنى علينا أن نتعايش بسلام مع أنفسنا أولا ومن ثم احترام اختلافات الآخر.
إن شعوبنا تعبث بذاكرتها روائح الموت المنبعثة من المعارك التاريخية والمفخخة ضد الآخر ومتوترة من الحضارة الغربية، ترى فيها مؤامرة عليها وعلى دينها، ومن هنا أتساءل: هل تصلح ترجمة تراثنا الثري ما أفسده الدهر من ثقافة شعوبنا الواقعة بين مغارة الموت وبحر الحياة؟؟
بالتأكيد فالترجمة جسر محبة بين البشر أانا أراهن على الإنسانيين الذين ينقلون ثقافتنا بعين واعية ليتلقاها الغرب باقة إنسانية وفهماً واستيعاباً للآخرين ..
مصطلح التسامح للكلمة الإنجليزية «Tolerance» الذي يعود استخدامه إلى عام 1903 حين استخدمه لأول مرة في العالم العربي الكاتب اللبناني فرح أنطون حين هرب إلى الإسكندرية من الصراع الطائفي والعرقي الدائر في بلاد الأرز منذ ذلك الوقت، فكيف نستطيع أن نوفق بين المنظور الديني للتسامح والمنظور المدني مع تطويعهما من أجل الحوار وفهم الأخر؟؟
التزاوج بينهم ممكن مع عدم إلغاء الواقعية والعصر..
كان الرحالة قلة في غابر الأزمان وكان التنقل من بلد إلى آخر مشقة لا يقوى عليها كل إنسان. وكان المتمكن منها يجمع المعلومات وينقلها إلى المتعطشين لسماع أخبار الأمم والشعوب والبلدان الأخرى عن طريق الترجمة، فهل نقول إن حركة الترجمة كانت فيما سبق على الرغم من صعوبتها أفضل مما هي عليه الآن؟؟
بالطبع كانت أفضل وكان العرب نهمين للعلم والتعلم والقراءة، ولكن لو نظرنا لحالنا الآن فإنه يجب علينا حتى نفهم الآخر أن نرقى أولا بفعل القراءة فنحن الموصومون بأننا "أمة لا تقرأ" فما الفائدة لو ترجمنا كتب العالم كله ولم نجد هناك القارئ الذي يحتفي بالقراءة وعلى الرغم من أهمية الترجمة إلا أنني اقول إن حركة الترجمة في عالمنا العربي مازالت بطيئة ..
أجرى الحوار:
ثريا نافع
عدد التعليقات
0