منتديات عتيدة  
آخر المشاركات: لمعرفة آخر مستجدات دورات عتيدة, نًوائحُ الأوْطانِ, دروس مختصرة في علم الصرف ( متجدد ), دروس مختصرة في علم الصرف ( متجدّد ), هل من متطوعين لإنشاء ذواكر الترجمة؟, نيدين قوردميَر Nadine Gordimer, شرح لقاعدة لغوية روسية, مساعدة في ترجمة, الترجمة الفورية وأسس الترجمة, مسابقة: Gulf Coast Translation Prize, صدور العدد 18 من مجلة "العربية والترجمة" (صيف 2014), سؤال عن كلمة أدوات., الأصل العربي لنظرية الحقول الدلالية, إعلان: تعاون في مجال الخدمات اللغوية للُغويّي اليمن, استعراض الشرائح التي لم تؤكد عليها بعد, دروس مختصرة في علم الصرف ( متجدّد ), المفاهيم الحقوقية الإنسانية في القرآن الكريم ( 1 ), اللغة بين القلب والذهن, خاص بطلبة جامعة صنعاء: ترجمة الأمثال, قسم اللغة العربية والترجمة -كلية اللغات - جامعة صنعاء, لائحتي للكتب المُهمة في التَّرجمة والتَّرجمة الفورية و اللُّغة


عودة   منتديات عتيدة > مصطلحية > مراجع المصطلحي

Notices

رد
 
أدوات الموضوع أنماط العرض
  #1  
قديم 03/12/08, 05:40
ادريس البقالي ادريس البقالي est déconnecté
 
تاريخ الانضمام: 03/12/08
بلد الإقامة: المغرب
المشاركات: 7
Thumbs up إطلالة على كتاب "المصطلحية" للدكتور خالد يعبودي

كتاب "المصطلحية وواقع العمل المصطلحي بالعالم العربي"

تمهيد: تساؤلات حول "المصطلحية"

الفصل الأول: تحديد "المصطلحية" (Terminologie) ومبادئ عملها

-1-"المصطلحية": إشكالية تحديد المفهوم ووضع التسمية بالدراسات العربية الحديثة

-2- الاستعمالات الأولى للفظ " Terminologie" ببعض اللغات الغربية

-1-2- تدرّج "المصطلحية الغربية" في اكتساب الدقة المفهومية..

-3- "المصطلحية" ودرجات العلمية

-4- مناهج "المصطلحية"

-1-4- المنهج الوصفي
-2-4- المنهج التاريخي
-3-4- المنهج الوصفي- التاريخي

-5- تحديد فئات المشتغلين بالمصطلحية

-1-5- وظائف "اللساني" في العمل المصطلحي

-6- الحدود الفاصلة بين مفهوم "المصطلحية" وبعض المفاهيم المحايثة

-6-1- بين "المصطلحية" و"المدونة المصطلحية"(Nomenclature)
-2-6 بين "المصطلحية" و"اللغة الواصفة" Métalangue)
-3-6 بين "المصطلحية" و"التسمية" (Dénomination)

-7 الحدود القائمة بين علم المصطلحية وبعض العلوم المجاورة

-1-7- بين "المصطلحية" و"اللسانيات"
-2-7- بين "المصطلحية" و"علم الترجمة"
-3-7-بين "المصطلحية" و"علم التوثيق"
-4-7-بين "المصطلحية" و "علم التقييس"

-8- مشتقات "المصطلحية"

-1-8- "المصطلحاتية" (Terminographie)
-2-8-"المصطلحية-الحاسوبية" (Terminotique)

-9- واقع تدريس "المصطلحية" بالجامعات والمعاهد العلمية

-10- وضع مهنة "المصطلحيّ" (Terminologue)

-11- تحقيق "النموذج المصطلحي"

-12- المقاربة الدلالية بالمصطلحية الحديثة

-1-12-آليات نظرية "الشبكة الدلالية المصطلحية" وثمار تطبيقاتها العملية"

-13- الأدوات الإجرائية للعمل المصطلحي

-1-13-"التصنيفية"، ودورها في بناء مصطلحيات دقيقة
-1-1-13- نبذة عن الإجراء التصنيفي
-2-1-13-البدايات الأولى للعمل التصنيفي
-3-1-13-تطور التصنيفية وأبرز عوائـقها

-2-12-"شجرة المجال" في "المصطلحية"

الفصل الثاني: مواصفات "المصطلحية"/ أو "العمل المصطلحي" بالعالم العربي

-1-أزمة "المصطلحية العربية" انعكاس لأزمة الفكر العربي- الإسلامي

-2-ملامح من النشاط الاطلاحي بالتراث العربي- الإسلامي

-3-تجليات "العمل المصطلحي العربي" بالعصر الحديث

-1-3-أنماط الدراسات المصطلحية العربية الحديثة

-4-معالم المشروع المصطلحي الشامل

-5- رواد العمل المصطلحي العربي الحديث

-1-5-الجهود الفردية في العمل المصطلحي العربي
-2-5-جهود المجامع العلمية واللغوية والمعاهد المصطلحية

-6- أهمية "التقييس" في العمل المصطلحي العربي

-1-6-أهمّ إنجازات مكتب تنسيق التعريب
-2-6-مدى كفاية "اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية" في التوحيد المصطلحي

-7- العمل المصطلحي في إطار مكانز اصطلاحية وبنوك للمعطيات

-1-7- تعريف " بنك المصطلحات "
-2-7-أشهر البنوك المصطلحية الغربية
-3-7-نبذة عن مركز "الإنفوترم" (INFOTERM)..........

-8- واقع "المصطلحية- الحاسوبية" بالعالم العربي

-خاتمة:

- كشاف لأهمّ المصطلحات المستعملة بالبحث
- بيبليوغرافيا أهم مصادر ومراجع البحث
- بعض من مواقع معاهد المصطلحية والتقييس المصطلحي الغربية
- بعض مواقع البرامج والمشاريع المصطلحية- الحاسوبية وأشهر البنوك المصطلحية الغربية
- بعض المواقع (والعناوين الإلكترونية) لأشهر الباحثين في المصطلحية والمصطلحية- الحاسوبية بالغرب
- لائحة بعض المجلات المشهورة في مجالات المصطلحية، المعجمية والترجمة
- قائمة بأبرز الباحثين العرب المحدثين في مجالات المعجمية والمصطلحية والترجمة

- فهرس الموضوعات





جمهور القراء نحن في انتظار ترخيص
الدكتور اليعبودي لنشر مقتطفات من كتابه الهام

آخر تحرير بواسطة إدارة المنتديات : 12/03/09 الساعة 07:43 السبب: تنسيق
رد باقتباس
  #2  
قديم 03/12/08, 19:59
عبد القادر الغنامي عبد القادر الغنامي est déconnecté
مشرف
 
تاريخ الانضمام: 16/06/06
بلد الإقامة: سويسرا
المشاركات: 4,231
افتراضي

الأستاذ الفاضل ادريس البقالي،

بداية، مرحبا بكم أحر ترحيب وأطيبه وألف أهلا وسهلا وبعد،

فشكرا جزيلا على إيراد قائمة محتويات كتاب الدكتور اليعبودي التي تفتح الشهية لشرائه! ولعلمكم أستاذنا الكريم، فقد كان الأستاذ الفاضل الدكتور اليعبودي أمدنا بدراسة نفيسة له نشرناها في موقع الجمعية، وفيما يلي الواصلة التي تفضي إليها:


http://atida.org/makal.php?id=186

هذا، واسمحوا لي بسؤالكم عن كيفية اقتناء الكتاب.

مع خالص شكري وتقديري ومرحبا بكم مجددا
__________________
الترجمة فهم وإفهام
الترجمة السياق
الترجمة الحوار

www.atida.org

مستقبَلات الأمة واحدة، وإنْ كانت الطرق إليها متعددة
مَن ترك غيره يخطط له، رَهَن له مستقبله
facebook.com/oumma.futures
twitter.com/oummafutures

العلم الذي لا عمل معه، لا قيمة له
رد باقتباس
  #3  
قديم 23/12/08, 17:00
خالد اليعبودي خالد اليعبودي est déconnecté
 
تاريخ الانضمام: 23/12/08
بلد الإقامة: المغرب
المشاركات: 1
افتراضي شكر جزيل للمشرفين على هذا الموقع النفيس

أشكر الدكتور الغنامي والدكتور الباحث المختص محمد خطابي لجهودهما في التعريف بأخبار المصطلح
كما أتوجه بشكري أيضا إلى الاستاذ الفاضل ادريس البقالي على حرصه على تقديم كتابي لعموم القراء وأهل الاختصاص
ولا أر ى مانعا من عرض فصوله تعميما للفائدة وللاستفادة من ملاحظات الجمهور
رد باقتباس
  #4  
قديم 30/12/08, 20:16
ادريس البقالي ادريس البقالي est déconnecté
 
تاريخ الانضمام: 03/12/08
بلد الإقامة: المغرب
المشاركات: 7
افتراضي مقتطفات من كتاب المصطلحية وواقع العمل المصطلحي بالعالم العربي

بسم الله الرحمن الرحيم

تصدير

هذا الكتاب دراسة أكاديمية تبحث في مواصفات العلم المختصّ بالدراسة المصطلحية، والذي نعِت حديثا باسم "المصطلحية" (Terminologie)، وتعنى برصد معالمه المنهجية، وأصوله التراثية، ومشتقاته المنبثقة عنه بعد اشتداد صلب العلم، من قبيل "المصطلحاتية" (Terminographie) و"المصطلحية الحاسوبية"(Terminotique) وغيرهما إثر استثمار تقنيات التحليل اللسانية (خصوصا ما تعلق منها بالمعجمية والمعجماتية والدلالية).

ويقدم الكتاب وصفا موجزا لتاريخ الدراسات المصطلحية العربية، مع عدم تجاهل التطورات الحديثة التي تلقاها العلم بالغرب، وفي إطار هذه العناية يرسل السؤال المرتبط بالتأصيل المصطلحي ضمن مدار البحث عن المقدماتالمتحكمة في بناء أركان علم مصطلحي عربي يستمدّ مرتكزاته من مقدمات الأقدمين ومساهمات المحدثين، عوض الاقتصار على العمل المصطلحي الذي ساد لعقود عدة بمختلف الأقطار العربية ومجامعها اللغوية والعلمية.

ويهدف المؤلف من هذه الدراسة سدّ حاجة المدرسين والدارسين في هذا الميدان الأصيل والحديث في آن واحد، لتعميق النظر واقتراح زوايا جديدة يجب أن ينكبّ عليها الدرس المصطلحي العربي المعاصر، كما يتوجه أيضا إلى جمهور المثقفين والقراء العرب عموما نظرا لارتباط الظاهرة المصطلحية بجميع العلوم إنسانية كانت أو مادية، ولصلتها أيضا بالوضعية التي يجتازها الفكر العربي بحلول القرن الجديد.

وسيلحظ القارئ الكريم عبر مباحث الدراسة تجريدا للأعلام الحديثة من ألقابها المنعوتة بها، نسجا على منوال معظم الكتابات العربية التراثية التي دونت طروحات رواد النظر من علمائنا دون أدنى حاجة إلى نعتهم بأية ألقاب.

ونسأل الله العلي القدير أن يهدينا إلى السداد والرشاد، وأن يجعل عملنا المتواضع خالصا لوجهه.

مدخل عامّ:

لقد بات من بديهيات الحقائق راهنا بعد نهاية قرن واستهلال آخر، الجزم بأن الفكر العربي واللغة العربية يجتازان محنة عصيبة، كما بات أكثر وضوحا أن أبرز عوائق النهوض بهما المعضلة الاصطلاحية. ولا شكّ إن الأزمة الفكرية التي تجتازها الأقطار العربية- الإسلامية (التوّاقة منذ زمن بعيد إلى التكتل في إطار بوتقة واحدة) هي أزمة فوضى المفاهيم والمصطلحات بالدرجة الأساس. ولا زال مثقفو هاته الأقطار مسكونين باستهلاك الوافد من العالم الغربي، سواء كان في شكل سلع مصنّعة أو على هيئة مفاهيم مبطنة بخلفيات مغرِضة في الكثير من الأحيان، وقد تأتي من تربة غير جنيسة لتربتنا في أغلب الحالات، ولا همّ للمستهلك العربي سوى اقتفاء آثار آخر صيحات "الحداثة"، والسعي وراء التسميات الرنانة للمتصورات المستحدثة، بعيدا عن الاستيعاب المتروِّي لمضامينها ومقاصدها وخصوصيات نشأتها وسياقات استعمالها.

إن إشكالية العصر المتميز بالتحولات الكبرى وسهولة الاختراق الثقافي تتمثل في البرهنة على قدرة اللغة العربية[1]على استيعاب المنظومات المفاهيمية للعلوم والفنون والتقنيات المستحدثة والمتطورة باستمرار.

ووجدنا محنة العربية (أو على الأصحّ محنة أهلها الناطقين بها) تثبط عزائم بعض ضعاف النفوس المرتمين في أحضان قشور الحداثة[2]عوض أن تسهم في إغناء الشعور بالانتماء القومي للإنسان العربي، وترسيخ هويته وخصوصيته الحضارية، ولم تلتق بعد النوايا المعلنة حول ضرورة تعميم التعريب.

حتمية التعريب لا زالت قائمة في عصرنا الراهن بالرغم من المستجدات الحديثة المتمثلة في عولمة المعلومات وتدويل الاقتصاد. وإذا علمنا أن تعريب المواد العلمية المدرّسة بالتعليمالثانوي في المغرب لم يشرع في تطبيقه سوى بداية من الثمانينات ، ولم يتحقق بالصورة المنشودة؛ فالطريق شاقة لا محالة نحو جعل تعريب العلوم مهمة قومية تمسّ تعريب التعليم العالي بجميع تخصصاته، ونحو الحد من إملاءات الرأسمالية العالمية.

وواقع التعدد اللغوي[3]أمر لازم بسبب اختراق الحدود الثقافية بين الأقطار والقارات، ولوجوب استيعاب المضامين الثقافية والحضارية للشبكات الفضائية (والتمييز بين صالحها وطالحها)، لكن بشرط تمكين اللغة العربية في محيطها واستعمالها في جميع الوظائف والقـطاعات، خصوصا وأن البحث العلمي تعلّـق بكل المرافق الاقتصادية والاجتماعية ولم يعد منحصرا في مراكز البحث والمختبرات. والواضح أنه مهما بلغت قوة اللغة وعلا شأنها بين أقرانها من اللغات، فهي تتطلب دوما تطويرا لبنياتها بتجدّد المعارف الإنسانية.

إلا أن بلادنا غالبا ما تعاني من أحادية لغوية فرنسية بالإدارات العمومية وفي مجالات اقتصادية وتقنية تنتمي إلى القطاعَيْن العام والخاص.فتمّ الخلط بين عمليتين منفصلتين: نقل المعارف، ونقل لغة هاته المعارف، فأين نحن من تحديد الدستور المغربي بكون اللغة العربية هي اللغة الرسمية الوحيدة للبلاد، وما مآل القرارات الوزارية الداعية إلى تعريب المراسلات والوثائق الإدارية؟ وما الحل لإقصاء التناقض الصارخ بين مضامين النصوص الرسمية والواقع الفعلي؟

ويزداد الوضع سوءا حين يتم التلويح بورقة تداول العاميات كبديل للتخاطب والتدريس، وحين نجد العربية أصبحت موضع سخرية في بعض المحافل الوطنية (مثال ذلك مرادفة المواطن للتفصّح بالرغبة في التفلسُف وادِّعاء النخبوية)، في حين تستمر أقطاب عالمية أخرى في الانفراد بإنتاج المعرفة وابتكار التقنيات الحديثة والتحكم في وسائل الإنتاج والاتصال العالمية إلى درجة لم تعُدْ فيها بحاجة إلى مستعمرات (بالمفهوم القديم) قصد ترويج سلعها.

وبما قدمنا نتوق فعلاً أن يُشكّل التردّد بين التعريب الكلي والتعريب الجزئي مرحلة أولية تعقبها مرحلة الحسم بحشد الهمم من أجل تعميم التعريب في التعليم والقطاعات الإدارية والاقتصادية تمهيدا للانتاج الأصيل والابداع الخلاّق في شتى التخصصات المعرفية.

وعبثا يحاول أنصار العولمة (=الاستلاب) تقديم مسوِّغات تبرّر في نظرهم المتغيرات المادية والاجتماعية والثقافية للمجتمعات بغاية تحسين صورتها في الأفهام.

ومن اللازم مراجعة تلك المبرّرات التي استـند إليها واضعو السياسات التربوية ببلادنا للعدول عن إتمام مسيرة التعريب بدعوى ضعف المستوى العلمي للطلاب الذين تلَقوْا موادهم العلمية بالعربية، والأجدر النظر في علل أخرى من قبيل ضعف كفاءة الأطر المدَرِّسَة، وقِلة الإمكانات المُخصّصة لتنفيذ مشروع ضخم من هذا القبيل.

إننا أبعد ما نكون داعين إلى الانغلاق على الذات، بل إن التعددية والانفتاح على اللغات الأخرى والنظر في ثقافاتها من منظور الخصوصية العربية هو شعارنا، للتمكن من بناء علم قادر على التحاور مع جميع إبداعات الشعوب في الحقل المعرفي المخصوص ومراعاة إشكالياتها الملحّة.

وإذا كان التعريب بمعناه العام يهدف إلى تعريب المضمون بترسيخ الوعي العلمي، وتحقيق التنمية، وترقية العربية من قبل ذويها، وتعميم استعمالها كلغة رئيسية في البحث العلمي وفي التحرير الإداري بجميع القطاعات والوظائف (خصوصا وأن العربية من اللغات الست الأوائل في المحافل الدولية)؛ فإن من أبرز الخطوات الضرورية لتحقيق هذه الأهداف تحقيق المناخ الملائم بتوفير أدوات تنمية العربية ونشرها، وتحديد ثابت لوضعها بجانب اللغات المنافسة لها، واللهجات المتعايشة معها.

ولا سبيل إلى العودة لمناقشة مدى صلاحية اللغة العربية للتعليم والبحث العلمي، فذاك موضوع مكرور تناوله الدارسون منذ بداية "عصر النهضة"، وانتهى فيه المستشرقون أنفسهم إلى أن اللغة العربية هي اللغة القومية للعرب[4].

ولا نحبّذ في هذا المقام الوقوف طويلا على منجزات العربية في عصورها الزاهرة، وتعداد عطاءاتها العلمية الوفيرة، والاعتزاز بماضيها التليد وقدرتها على هضم العلوم المادية والشرعية، إذ نعدّ هذا الوقوف (على الرغم من دوره الإيجابي في استرداد العزم والثقة في الذات) من قـبيل البكاء على الأطلال، والأفيد التركيز على تأمين مستقبل يانع للعربية من خلال إزاحة عوائق النهوض بها، والتفكير في طرق تطويرها وإثرائها وتداولها من قبل أهلها في المجالات العلمية والحضارية كيْ لا تكتـفي بالأخذ دون العطاء. بمعنى: تركيز الجهود على مراجعة سياسات التخطيط الثقافي عوض الاقتصار في كل الأحوال على الدعوة إلى توفير الامكانيات المادية والتقنية.

ومن أول الأولويات التي نراها كفيلة بإحياء مجْد العربية وعزم أهلها الناطقين بها:

- الوعي بالتراث العربي في مختلف جوانبه العلمية والفنية عن طريق تحقيقه وإعادة قراءته.
- الدراسة اللسانية النظرية والمقارنة والتطبيقية المتعددة المستويات لبنيات اللغة العربية.
- بناء مصطلحية عربية دقيقة للمنظومات المفاهيمية في شتى الحقول المعرفية (بالمزاوجة بين الترجمة والإنتاج الأصيل).
- خلق برمجيات حاسوبية عربية متطورة بإزاء نظيراتها باللغات الأجنبية.
- موقعة المعاهد العلمية العربية الإسلامية وكل تجليات ثقافتـنا الحديثة والمعاصرة على شبكة الانترنيت بلغة عربية سليمة من الشوائب.
- تطوير بنوك المعطيات العربية وتعميم استفادة أهل الاختصاص من موادها القليلة العدد مقارنة بنظيراتها الغربية.

ومن الوسائل الممكنة لامتلاك التكنولوجيا المتقدّمة التحكم فيها أولا، ليشرع بعدئذ في إنتاجها محليا وإدماجها كليا في المحيطين الاجتماعي والثقافي. والأمل معقود في الآفاق القريبة أن يتزامن الأخذ مع العطاء، كما نتوخى أن تعمد المؤسسات العلمية والمصطلحية الجادة بالعالم العربي (كمكتب تنسيق التعريب التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، ومعهد الدراسات والأبحاث للتعريب المغربي، ومركز الدراسات والبحوث العلمية السوري، وغيرها) إلى إتمام مشاريعها في أقرب الآجال لتحقيق استفادة أنجع وأشمل من منجزاتها.

ولا ريب أن الترجمة تشكل إحدى البدائل الأساسية للحدّ من مخاطر هيمنة اللغات الأجنبية، خصوصا حين تكون المصدر الأساسي لدى الكثير من الدارسين للاطلاع على أحدث النظريات والمناهج والمفاهيم الأجنبية، كما تمثل دعما للغتنا القومية في حالة توظيفها للمصطلح العلمي الدقيق الموحد تفاديا لكل عشوائية في تداول المفاهيم والأفكار الوافدة، لاسيما وأن من مخاطر سوء ترجمة المصطلح تقويض النظرية المتداول بها.

ونبعت مجمل الترجمات العربية من مبادرات فردية، كما أن الأعمال المترجمة من قبل المؤسسات العربية للترجمة القليلة العدد تفتقد إلى التنسيق وإلى التكامل، ولا تتبع منهجية علمية أكاديمية. وغنيّ عن القول دور التنسيق في تفادي الجهد المكرور والحرص على استعمال المصطلح العلمي الموحد، مما جعل الأعمال المترجمة تقترح خزانا من المصطلحات المتعارضة في مقابلة المفهوم الأجنبي. وقد أدت مصاعب الترجمة ببعض المترجمين إلى اللجوء أحيانا إلى التأويل حين يعوزهم إيجاد المصطلح الدقيق، أو إلى التعريب والتدخيل أحيانا أخَر.

ولا نرى مخرجا لتطوير واقع الترجمة بالعالم العربي سوى بإحداث مؤسسات حكومية (:بيوت الحكمة) بجميع الأقطار العربية تتعهّد بإصدار الترجمات الدقيقة، وبتعميم نشرها، لتيسير اطلاع المترجمين على كتابات بعضهم البعض، وتقوم بمراجعة الأعمال المترجمة إلى العربية، مع الالتزام باستعمال المصطلحات المنسقة الصادرة عن مكتب تنسيق التعريب، وتضمن حماية حقوق المترجمين بتشريعات تنظم أعمالهم. ونحبذ أن يتم التنسيق والتعاون بين لسانيّي الغرب وعلماء اللغة العربية بغاية تعريب أهمّ مصادر اللسانيات والمصطلحية ومراجعها الغربية النظرية والتطبيقية. ويلحظ المتتبع لمختلف عصور البشرية في جميع الحضارات الانسانية اقتران الازدهار الثقافي بازدهار حركة الترجمة. وقد كان من النتائج المباشرة لنقل أعمال ثقافية من اللغات الأجنبية إلى العربية تلاقح بين أساليب هاته اللغات وأسلوب العربية، مما أثار غيظ المحافظين في عصرنا الحديث الداعين إلى سلامة لغتنا من كل أشكال اللحن. وقد سبق لبعض أعلام الفكر العربي القديم أن لاحظ عند القيام بالترجمة جذب كل لغة لأخرى، والأخذ منها والاعتراض عليها، ما يدخل الضيْم عليهما معا[5].

ومن دون شكّ فإن تنشيط حركة الترجمة (التي يجب أن تتزامن مع الإبداع الأصيل) رهين بتوفير مصطلحية(Terminologie)عربية دقيقة ومعاجم قطاعية وموسوعية محوسبة أحادية وثنائية ومتعددة اللغات تحاكي التطـور الذي لحـق ميدان المعجماتيـة (Lexicographie) والمصطلحـاتية (Terminographie) بالعالم الغربي.

والواضح أنه بعد مضيّ أزيد من قرن على بداية التأليف المصطلحي العربي الحديث، لا زلنا نشهد فكرنا المصطلحي على مشارب الألفية الثالثة يلوك الإشكاليات ذاتها التي تناولها العرب المحدثون بالدرس في بداية "عصر النهضة". ووجدنا الكثير من الأدبيات تتناول نفس القضايا، وما فتئت تعاود الحديث عنها في كلّ الملتقيات المخصصة لمعالجة المسائل المصطلحية، وتمّ تلقين العلوم المادية والدقيقة في الجامعات العربية باللغتين الفرنسية والانجليزية، واضطرّ القارئ العربي إلى استكشاف أبرز الإسهامات اللسانية والمصطلحية من منابعها الأصلية باللغتين الإنجليزية والفرنسية مكرّسا بالضرورة ثقافة النخبة. ولا زال الوضع على ما هو عليه إن لم يزدد استفحالا بعد أن كانت العربية سائدة في بداية عصر النهضة بمصر وسوريا ولبنان، وكانت هي لغة تعليم الطب[6] قبل حلول الاستعمار الغشيم، وحلت معه سياسات هادفة إلى نكوص العربية إلى الوراء وإضعاف نفوس المتكلمين بها. ونجح المستعمر في مسعاه بجميع أرجاء العالم العربي المفكك. وأصبحنا ننعي وضع اللغة التي نزل بها القرآن الكريم، وننعي معها فئة لاهثة وراء أذيال المستعمر تتقِن لغاته إلى درجة الظفر بأشهر جوائز الغرب، وتجهل لغتها القومية إلى حدّ اللحن في النطق بها، والقصور في التأليف بها (بدعوى عجز العربية عن مواكبة التطور)، على غرار نعى القديس "ألفرو" من قبْل نصارى الأندلس لنبوغهم في التخاطب والنظم بالعربية، ونبذهم اللاتينية. فهل تصل صعوبة العربية عند الفئة المستلَبة إلى مصافّ اللغات التي يتعدّى عدد حروفها عشرة آلاف حرف كاللغة اليابانية التي أثبتت قدرتها على هضم العلوم الدقيقة؟

وثمة طرحين يجب التمييز بينهما بخصوص الإشكالية المصطلحية: طرح يعتبر المصطلح أداة تواصل مشتركة بين الإنسانية جمعاء، ويرى أنّ عدم استعماله يؤدي إلى التخلف عن ركب الحضارة، لكونه أصبح مشاعا للجميع، ومن تمّ لا طائل يرجى من محاولات تأصيله بحسب خصوصيات المجتمعات. وهناك طرح ثان يجعل من الضبط المصطلحي قضية محورية (وليست هامشية) بفضله يحدد موقعنا في الحضارات الإنسانية، ويرى أن من أبرز آفات البحث العلمي التسابق نحو تداول مصطلحات وافدة من غير ضرورة ملزمة مع تواجد مصطلحات أصلية، لدلالة ذلك على الجهل بالهوية، وفقدان الإرادة الثابتة. ومن الأفيد إقناع المقلِّد أن التعريب لا يقصيه ولا يلغي اللغات الأجنبية التي هي نافذة للاطلاع على الوافد من الإنتاجات المعرفية والتكنولوجية، بقدر ما يرمي إلى عدم مزاحمة هاته اللغات للغة الوطنية أو القومية. والأمل معقود في رجوع هاته الطائفة إلى الصواب؛ خصوصا وأننا وجدنا زمرة منهم تعبّر عن رغبة صادقة في استعمال العربية لغة التدريس والكتابة العلمية.

ولا يسعنا في هذا المقام إلا أن نستبشر خيرا في الثقة التي يوليها بعض الباحثين في الرياضيات في اللغة العربية حين يأملون في تغيير السياسة التعليمية بالجامعات المغربية لتصبح العربية لغة التدريس والبحث العلمي، وشهدنا فئة منهم بالمغرب يقدمون أبحاثهم الأكاديمية في التخصصات الدقيقة بمُلَخّصات عربية فصيحة.

ونؤكد بهذا الصدد أن هيمنة لغة أجنبية في التدريس والبحث العلمي وتداولها بالمؤتمرات يترجم وصول الدول المقلِّدة إلى مرحلة الاغتراب العلمي والاستلاب الثقافي نظرا للارتباط الوثيق بين وسيلة التعبير وطرق التفكير، مِمّا ينعدم معه أيّ إبداع مع وجود التقليد. وما دمنا شعوبا مستضعفة فلا مناص من الإقرار بصعوبة تطبيق قرار مشابه لقرار الحكومة الفرنسية (بماي من سنة 1994) القاضي بالعقوبة سجنا مع التغريم بما يناهز حاليا ألفي أورو لكل شخص (أو مؤسسة) استخدم لغة أجنبية في الوثائق والمستندات والإعلانات المسموعة والمرئية.

إلا أنه لا بد من الإقرار بعالمية بعض المصطلحات العلمية والرموز التقنية التي لا يؤدي تأصيلها إلى الحسم في قضية التعريب بصفة نهائية، وينطبق هذا الحكم على بعض مصطلحات العلوم الإنسانية التي تحمل خصوصيات مواطنها الأصلية (من ذلك على سبيل المثال مصطلح "انتـفاضة" الذي ذاع استعماله في قنوات الاتصال الغربية، وينطبق هذا الحكم على بعض المفاهـيم اللسانية المستخدمة بالعديد من اللغات، من مثل: "Phonème"- " Morphème" – " Taxème"..).

ولا ننكر في هذا المضمار أنّ دعوات الرقيّ بالدرس المصطلحي عرفت ازدهارا ملحوظا بالعالم العربي، وكان من أسبابها الرئيسة الاحتكاك بالمنظومات المصطلحية الوافدة من الحضارات الغربية، وما ترتب عنها من جهود ثلة من الباحثين العرب إلى إعادة بناء المفاهيم الجوهرية انطلاقا من الأرومة العربية وانسجاما مع أبعادها الحضارية. وتزامنت هاته الدعوات مع محاولة رواد "النهضة" تجديد هياكل اللغة العربية في مستوياتها المختلفة (النحوية والصرفية والصوتية على الخصوص).

ولا غنى لدارس البحوث العلمية المرتكزة على الترجمة من اللجوء إلى المعاجم العامة والمتخصصة الأحادية والثنائية والمتعددة اللغات التي تعدّ أداة مساعدة لتحقيق التعريب، كما تتجلى أهمية هذه المتون في عمليات التلقين لدى المدرِّس والمتلقي.

ومن نافل القول بأن أهمّ الحلول الرامية إلى الضبط المصطلحي بناء معاجم متخصصة ترتكز على قواعد علمية رصينة، وتقوم على عنصر الاتفاق بين أهل الاختصاص مع تخلي أصحابها عن خاصّية الاستعراض البياني، ويعتبر تحيينها عملا ضروريا.

ولا غرابة أن نعاين وضعا مزريا لمعاجمنا العامة والخاصة على السواء إذا علمنا بطغيان التنافس التجاري وطابع الذاتية المفرطة على التنافس العلمي ونزعة الاشتغال الجماعي في نطاق مؤسسات بحث. ويزداد الوضع تأزما حين نشهد تطفل من لا خبرة لهم في الميدان يدلون بدلوهم في مجال التصنيف المعجمي.

ومن الواضح أنه لا يمكن تخيّل تـناول مسائل علم من العلوم بالبحث دون استعمال جهازه الاصطلاحي، مَثل ذلك مَثَلُ الرياضي الذي يتناول معادلة رياضية دون استخدام الرموز التي هي اللغة الواصفة. والواضح أن محورية المصطلحات تتبيّن بمرور الزمن نتيجة تطور وسائل الاتصال، وتقدّم الحضارة الانسانية في مختلف جوانبها العلمية والتقنية والفنية. الأمر الذي دعا بالعديد من المعاهد المصطلحية الحديثة إلى ربط المصطلح بالتوليد الآلي باعتماد برنامج حاسوبي دقيق يتوفر على قاعدة معطيات مصطلحية متعددة اللغات على غرار ما شهدناه مع المصطلح العلمي الكيميائي.

المصطلحات طبقة متـقدمة من طبقات اللغة تعكس صورة التداخل بين اللغات الخاصة واللغة العامة، وتتميز الاصطلاحات العلمية بضيق حقل الاستعمال سواء كانت مصطلحات محدّدة (تفسّر بعبارات معجمية) أو مصطلحات أولية[7](تسهم في تحديد ضمائمها من المصطلحات).

ولا مراء في ارتباط المصطلح بالمفهوم ارتباطا وثيقا بواسطة إقامة التعريف[8]الذي يتيح الكشف عن الدلالة العميقة للوحدة المصطلحية كما يوضح علاقتها بباقي المصطلحات داخل النسق المعرفي الواحد.

وقد تولّدت لغة العلم، (أو بالأحرى لهجات العلم) من عمليات المشاهدة والتجربة والاستدلال المنطقي، وعلى مرّ الأيام أصبحت لا تقلّ ضرورة عن الأجهزة المادية [9].

والراجح أن نشأة المصطلحات المتخصصة العربية جاء نتيجة ولادة قيصرية نظرا لاستيراد معظمها من طينة مخالفة لواقعنا المادي والمعنوي، ونظرا لعدم مواكبة صيغها ودلالاتها العربية للتطورات المفهومية التي تشهدها في مواطنها الأصلية.
وأشدّ ما يستدعي الحذر في التعامل معه تلك المصطلحات المبطّـنة بخلفيات إيديولوجية يترجم تداولها من قبل الدول المستضعفة حالة الاستلاب الثقافي والجذب المغناطيسي، وهي كثيرة لعل أجدرها بالذكر في هذا المقام:

- الإرهاب (النعت المفضل لأسلوب المقاومة)،
- العدالة المطلقة (تسمية الحملة العسكرية ضد أفغانستان)،
- حقوق الإنسان (لتبرير ممارسات لا تقبلها تشريعات الديانات السماوية)،
- محور الشر (صفة لدول مارقة لكونها تخالف الاستراتيجية الأمريكية)،
- الإصلاح الهيكلي (مفهوم متداول بأجهزة البنك الدولي الهادف إلى تكريس تبعية الشعوب المستضعفة)،
- خريطة الطريق (مفهوم يقصد به تكريس قانون الغاب، وفرض طروحات الأقوى على الضعيف)، وغيرها كثير من المصطلحات المضلِّلَة.

كما كان من نتائج محاولة العرب اللحاق بركب التقدم العمل على تأصيل بعض منجزات الغرب الفكرية بواسطة الترجمة، وترتب عن غياب التنسيق الفعّال بين أوساط المترجمين (سواء كانوا أفرادا أم جماعات) كثرة المترادفات والمشتركات اللفظية في المصطلحات العربية المكافئة للمقابل الأجنبي الواحد.

وإذا كان الباحث المصطلحي "علي القاسمي" (2000) يرى أنْ « ليس هناك من سبب يدعونا إلى القلق على مصير المصطلحات في اللغة العربية، فالزمن والاستعمال كفيلان بالإبقاء على المصطلح الأصلح، واللغة العربية قادرة على استيعاب المفاهيم الجديدة وتمثلها»[10]؛ فإن سلبيات استعمال مصطلحات عدّة للمفهوم الواحد بادية بجلاء في مداولات أهل الاختصاص بمحافل الندوات والمؤتمرات العلمية، كما تتوضح أيضا في الخلط الذي يحصل في أذهان الطلاب عند محاولة استيعابهم لدلالات هاته المصطلحات وربطها بالمفاهيم موضوعات التسميات.

ولقد تقرّر أمام تحدِّيات التحولات التقنية والعلمية، وتطور المعاملات بين مختلف أقطار المعمور، ضرورة استعمال البلدان العربية للمصطلحات المُوَحّدة قصد تيسير عملية التواصل العلمي بين علماء هذه الأقطار بإقصاء اللبس في استعمال المفاهيم العلمية، وضمان ريادة العربية في الحاضر والمستقبل في مجال العلوم والتقنيات. ونتساءل في هذا المقام: لمَ لا تحقق المعاجم الموحدة المنجزة من قبل مكتب تنسيق التعريب (التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم) الغايات التي وضِعت من أجلها لاستثمارها في البحوث العلمية الأكاديمية وفي المجالات التعليمية؟ وهل ينقصها ما يدعو إلى عدم إجماع أهل الاختصاص عليها؟ علما أنها مراجعة من قبل المختصين والمصطلحيين واللغويين لتـقويم ما بدا عدم صلاحيته، وذلك قبل تقديمها إلى مؤتمرات التعريب التي تضمّ كلاّ من منادب حكومات الأقطار العربية وممثلي المجامع اللغوية (بما فيها اتحاد المجامع العلمية العربية).

لعله بات من الحقائق المقررة لدينا فضل اللسانيات الحديثة[11] في تبلور المصطلحية (Terminologie) ووصولها إلى حدّ العلم المتكامل بالدراسات الغربية، وتفرّع "المصطلحاتية" Terminographie)) عن الجسد الأمّ؛ وذلك لما للعلم اللساني النظري والتطبيقي[12]من طرائق موضوعية في البحث والاستخلاص. وتفرض النتائج التي حققتها اللسانيات في تحليل موضوعات اللغات الطبيعية والاصطناعية وتفسيرها على الكتابة المصطلحية العربية استثمار ما يقدمه الدرس اللساني من مفاهيم نظرية وتقنيات إجرائية في دراستها للمنظومات الاصطلاحية. ويلحظ المُتتبِّع للإصدارات الحديثة في المجال اللساني (سواء أكانت دالّيات [صوتيات، صرفيات، وتركيبيات]، أو دلاليات، أو تداوليات[13]) تنوعا كبيرا في مقارباتها المنهجية[14] نتيجة تعدد غاياتها وطروحاتها العلمية، وترجم هذا التنوع تكوّن رصيد ضخم من المصطلحات اللسانية المشتركة أحيانا والمترادفة أحيانا أخرى تحتاج إلى معاجم توضح الفروقات الدلالية الدقيقة التي تميز استعمال كل مدرسة لسانية لها. ولم يشفع غنى التراث اللغوي العربي في الحدّ من مفعول اختراق التيارات اللسانية المستحدثة للغة العربية، ومن تغلغل التمثيلات الصورية لبنيات العربية في مستوياتها الصوتية والصرفية والتركيبية..وساهمت الثورة المعلوماتية، إضافة إلى العلم اللساني، في الوصول بعلم المصطلحية إلى مرتبة الصدارة ضمن العلوم الانسانية والمادية، وكانت أبرز إفرازات هذا التلاقح تولّد "المصطلحية الحاسوبية"(Terminotique)؛ فأصبح من الممكن توفير بنوك اصطلاحية تضمّ الملايين من المصطلحات مصحوبة بتعريفاتها وشواهدها وسياقاتها المعرفية.

وأول تجليات استقلال "المصطلحية" عن باقي العلوم التي ارتبطت بها لقرون عدة: تأسيسها لرصيدها الاصطلاحي الخاصّ. وإذا ما بدا لنا أن "المصطلحية" جاءت في شكلها الحديث أواسط القرن الماضي لتضطلع بمهمّة التثبت من الاستعمال الدقيق للمصطلحات؛ فإن كل الإرهاصات التي سبقت هذه النشأة الرسمية أبانت عن وعي رواد النظر بالفكر العربي الإسلامي (بشتى حقوله المعرفية) بأهمية مفاتيح العلوم المستغلقة والمتمثلة في أدواتها الوصفية: "المصطلحات".

والناظر في القبسات المضيئة للحضارة العربية الإسلامية يجد إرهاصات بَيِّنة في مجال تأسيس العلم الاصطلاحي، وإن تجلّى ذلك أكثر في المجال التطبيقي على حساب المجال النظري. ونأمل أن تسهم إعادة تركيب النموذج المصطلحي العربي القديم في إخصاب النماذج المصطلحية العربية الحديثة والنماذج المصطلحية الغربية ذاتها. والواضح أن ما ينعت بـ"المصطلحية العربية الحديثة" لا زالت تفتقر إلى أسس ومنطلقات نظرية ومنهجية شاملة ترصد الأدوات المعرفية والتقنيات التي توظف في تحديد موضوعاتها وطرق البحث في أركانها، وهي تتميز أساسا باقترانها بإشكاليتي الترجمة والتعريب لاقتران وضع المصطلح العربي بوجود المصطلح الغربي. ويبدو لنا (إلى حين الوقوف على الأسباب الحقيقية الكامنة وراء أزمة المصطلحية العربية) أن طرق معالجة العربية والنظر في تراثها القائم على الإطراء، ومقارنة الموروث المصطلحي العربي بالنظريات المصطلحية الحديثة ساهم بنصيب وافر في تردّي وضع "المصطلحية العربية" الحديثة.

وإذا كان من السابق لأوانه القيام بنقد جامع ونهائي للكتابات المصطلحية بالأقطار العربية، نظرا لحالة النشأة والترعرع التي هي عليه "مصطلحية العربية"؛ إلا أن الوضعية المؤقتة للدرس المصطلحي العربي تكشف للمتفحِّص (كما سنعرض بثنايا هذا البحث) أن القليل من الأبحاث الأكاديمية في المجال المصطلحي تتميّز بتقديم افتراضات جديدة بشأن النظر في المنظومات المصطلحية العربية من منظور مصطلحي حديث.

[1]-تعددت تسميات العربية المتداولة حديثا بالكتابات العلمية والأدبية والمسمى واحد عند أغلب مستعمليها، فمنها: 1- اللغة العربية الفصحى القديمة، 2- اللغة العربية الفصحى، 3- العربية الفصحى المعاصرة، 4-العربية المعيار، 5- العربية المعاصرة، 6-العربية الحديثة المعاصرة المكتوبة، 7- العربية القرآنية،- العربية التقليدية، 9- العربية الكلاسيكية. (يُراجع: مازن الوعـر (1987): نحو نظرية لسانية عربية حديثة لتحليل التراكيب الأساسية في اللغة العربية- دار طلاس، دمشق-صص: 75- 87.
[2]- انظر في هذا الصدد طروحات من هذا القبيل لدى الدارس اللبناني "أنيس فريحة" (1955) (1980) ، وانظر كذلك دراسة المستعرب "دانيال ريغ" (1989) (Reig.D):
- أنيس فريحة (1955): نحو عربية ميسرة- دار الثقافة - ببيروت، لبنان.
- أنيس فريحة (1980): في اللغة العربية وبعض مشاكلها- دار النهار للنشر، بيروت، لبنان.
-Reig (Daniel) (1989) , Arabologique, Points de vue Sur Le Lexique et La Langue arabe- Paris.

[3]- يتسم التعدد اللغوي في بلادنا بتعايش لغات (ولهجات) عدة، وهي: لغة المنشأ (شفهية: عربية دارجة، أو لهجات أمازيغية)، العربية الفصيحة (مكتوبة: لغة المراحل الأولى للتلقين)، الفرنسية (مكتوبة: لغة بداية التلقين ببعض المؤسسات المفرنسة، ومستعملة كتابة وتداولا شفهيا بأغلب القطاعات الإدارية والاقتصادية)، ونجد صداها في مستوى شعبي يتردد لدى الأميين أيضا، ويمكن أن نضيف إلى هاته اللغات (والعاميات) لغة رابعة (شفهية) عبارة عن مزيج من هاته اللغات واللهجات مستعملة من قبل عامة الشعب.
[4]-مركز دراسات الوحدة العربية (1984): "اللغة العربية والوعي القومي"- الطبعة الأولى- بيروت.
انظر مقال الدارس حاتم صالح الضامن: "العامية والفصيحة" – ص:224 .
[5]- الجاحظ (ت 255هـ)(1965م):كتاب الحيوان،تحقيق: عبد السلام محمد هارون الطبعة الثانية القاهرة : ج 1/76.
[6]-وما أحوجنا في هذا العصر إلى قرار يكون نظير التنبيه الذي أصدره حاكم مصر في القرن التاسع عشر "محمد علي" إلى أساتذة الطب الأجانب يلزمهم فيه بضرورة إتقان العربية منذ السنة الأولى لالتحاقهم بسلك التدريس بالقطر المصري. انظر جهود الدكاترة "أنطون بارثيلمي كلوت"، " بيرون"،" أنطون رفاييل"، "زاخور وهبة"، "يوحنا العنجوري"، "جورج فيدال"، "أوغسطين سكاكيني"، "يوسف فرعون"، "إبراهيم النبراوي"، "علي هيبة"، "محمد عبد الفتاح"، "عيسى النحراوي"، "محمد علي البقلي" في تعريب علم الطب وباقي العلوم في:
- أمين سامي باشا (1928): تقويم النيل وعصر محمد علي باشا- الطبعة الأولى- 1346هـ، مطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة..
- حسني سبح (1985): "تعريب علوم الطب"- مجلة مجمع دمشق- مجلد 60 / جزء 4 تشرين الأول.
[7]-Christopher Peacocke (1992), A Study of concepts, Massachusetts Institute of Technology- p : 17.
[8]- Béjoint (Henri) (1997), "Regards sur La Définition en Terminologie", Cahier de Lexicologie, 70,1-p :19.
[9]-برنال (ج.د) (1981): العلم في التاريخ، ترجمة علي ناصف، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت- ج 1/ ص 6.
[10]- القاسمي (علي) (2000): "المعجم والقاموس" (دراسة تطبيقية في علم المصطلح)- ضمن أعمال ندوة قضايا المصطلح في الآداب والعلوم الإنسانية –مكناس في 9- 11- مارس 2000.
[11]-يمكن تعريف علم اللسانيات بشكل عامّ بأنه الدراسة العلمية للغات الطبيعية دراسة موضوعية من عدة نواحي، أهمها: الجوانب الأصواتية، والصواتية، والصرفية، والتركيبية، والدلالية.
[12]-تبحث اللسانيات العامة (النظرية) في النظريات والمناهج اللسانية القديمة والحديثة على السواء، وترصد أهميتها في الكشف عن خاصيات اللغات الطبيعية الصوتية والصرفية والتركيبية والدلالية.
واستُحدِثت اللسانيات التطبيقية لإيجاد أفضل الوسائل التقنية للنهوض بتدريس اللغات وتعلّمها في المستويات الإبتدائية والإعدادية والثانوية. ويستفاد من مبادئ اللسانيات التطبيقية في معالجة أمراض الكلام، كما يستثمر نتائجها كذلك مهندسو الاتصال، ومصنفو المعاجم (بأنماطها المختلفة)، والمترجمون، ووضاع المصطلحات.
[13]- وهو التقسيم المعتمد من قبل المفكر "طه عبد الرحمن" (1987): في أصول الحوار وتجديد علم الكلام- المؤسسة الحديثة للنشر والتوزيع- الدار البيضاء – ص: 19.
[14]-نذكر هنا بعض المناهج اللسانية الحديثة التي ظهرت بعد الطفرة السوسورية، وهي: المنهج البنيوي التوزيعي (Distributionalism)، المنهج الوظيفي (Fonctionalism)، المنهج التوليديالتحويلي(TransformationalGenerative Grammar )، المنهج التوليدي الدلالي(Generative Semantics)، النظرية التاكميمية (Tagmemics)، نظرية نحو الحالات (CaseGrammar).

آخر تحرير بواسطة إدارة المنتديات : 12/03/09 الساعة 05:03 السبب: تنسيق الفقرات
رد باقتباس
  #5  
قديم 30/12/08, 20:22
ادريس البقالي ادريس البقالي est déconnecté
 
تاريخ الانضمام: 03/12/08
بلد الإقامة: المغرب
المشاركات: 7
افتراضي الشكر للدكتور يعبودي

الشكر للباحث في شؤون المصطلح الدكتور خالد اليعبودي على موافقته المبدئية لنشر كتابه في شكل حلقات متسلسلة في عصر التواصل العلمي والمصطلحي
رد باقتباس
  #6  
قديم 01/01/09, 19:07
عبد القادر الغنامي عبد القادر الغنامي est déconnecté
مشرف
 
تاريخ الانضمام: 16/06/06
بلد الإقامة: سويسرا
المشاركات: 4,231
افتراضي

اقتباس:
أرسله في الأصل خالد اليعبودي مشاهدة المشاركات
أشكر الدكتور الغنامي والدكتور الباحث المختص محمد خطابي لجهودهما في التعريف بأخبار المصطلح
كما أتوجه بشكري أيضا إلى الاستاذ الفاضل ادريس البقالي على حرصه على تقديم كتابي لعموم القراء وأهل الاختصاص
ولا أر ى مانعا من عرض فصوله تعميما للفائدة وللاستفادة من ملاحظات الجمهور

بل الشكر لكم -أستاذنا الكريم الدكتور خالد اليعبودي- على إذنكم لنا بالتعريف بأعمالكم ونشرها.

مع تحيات خالصة ملؤها التقدير والاحترام
__________________
الترجمة فهم وإفهام
الترجمة السياق
الترجمة الحوار

www.atida.org

مستقبَلات الأمة واحدة، وإنْ كانت الطرق إليها متعددة
مَن ترك غيره يخطط له، رَهَن له مستقبله
facebook.com/oumma.futures
twitter.com/oummafutures

العلم الذي لا عمل معه، لا قيمة له
رد باقتباس
  #7  
قديم 01/01/09, 19:11
عبد القادر الغنامي عبد القادر الغنامي est déconnecté
مشرف
 
تاريخ الانضمام: 16/06/06
بلد الإقامة: سويسرا
المشاركات: 4,231
افتراضي

الأستاذ الفاضل ادريس البقالي،

شكرا جزيلا على نقل هذا المؤلف النفيس.
__________________
الترجمة فهم وإفهام
الترجمة السياق
الترجمة الحوار

www.atida.org

مستقبَلات الأمة واحدة، وإنْ كانت الطرق إليها متعددة
مَن ترك غيره يخطط له، رَهَن له مستقبله
facebook.com/oumma.futures
twitter.com/oummafutures

العلم الذي لا عمل معه، لا قيمة له
رد باقتباس
  #8  
قديم 01/01/09, 20:48
محمد خطابي محمد خطابي est déconnecté
المشرف على قسم "المصطلحية (علم المصطلح)"
 
تاريخ الانضمام: 19/02/08
بلد الإقامة: المملكة المغربية
المشاركات: 147
افتراضي شجون المصطلح

مساء الخير يا جماعة الخير
الحمد لله الذي قيض لعتيدة باحثين أفذاذاً من عيار الأستاذين الفاضلين خالد اليعبودي وادريس البقالي ومن لفّ لفهم. كنت أخشى أن يفرغ منتدى المصطلحية من الإسهامات وينفض من حوله المبحرون، ولكنني كنت واهماً. فتفضُّل الأستاذ اليعبودي -وهو من هو في الاختصاص- بالموافقة على نشر أفكاره، أي تعميمها على عشاق عتيدة، منبئ عن خصلة لا يعلم أهميتها إلا المؤمن حد التصوف بأن العلم يربو بالزكاة. وزكاة العلم نشره في الناس.
الأستاذ الفاضل اليعبودي أرحب بك في منتدى المصطلحية وكذا في موقع عتيدة أحر ترحيب وأطيبه. أرجو أن يسعف وقتك بالإسهام في منتدى المصطلحية لنستفيد من سديد رأيكم وواسع علمكم، وأول غيثه قطر.
الأستاذ القدير ادريس البقالي لك مني أزكى التحية على عملك النبيل هذا.
يبدو من خلال بحثكم -الأستاذ اليعبودي- أن هناك علاقة وثيقة بين العناصر الآتية:
المدرسة ولغة التدريس؛ التعريب ولغة البحث وتدريس العلوم؛ صراع اللغات -في مجتمع ما- على احتلال موقع متقدم في مختلف ميادين الحياة؛ الترجمة والمصطلح وتأثير أحدهما في الآخر وتأثره به أيضاً؛الخ.
أجدد شكري لكم وللأستاذ البقالي. أما الأخ عبد القادر فله سلام الدنيا كلها، وهو أهل لذلك.
رد باقتباس
  #9  
قديم 17/02/09, 20:27
ادريس البقالي ادريس البقالي est déconnecté
 
تاريخ الانضمام: 03/12/08
بلد الإقامة: المغرب
المشاركات: 7
افتراضي محطات بارزة في المصطلحية من خلال كتاب خالد اليعبودي "المصطلحية وواقع العمل المصطلحي

فيما يلي نقدم للقارئ الكريم المباحث الأولى من كتاب المصطلحي "خالد اليعبودي"

شكرا لموقع عتيدة على دعمه للمصطلحيين والمترجمين واللسانيين، والشكر موجه طبعا إلى صاحب هذا المؤل النفيس.

تمهيد: تساؤلات حول المصطلحية:

لَمَّا كانت العلوم والفنون والتقنيات دائبة التطور والاتساع كانت بنياتها الاصطلاحية دائمة التحوّل، فالمعارف العلمية متغيِّرة حقا، ويتخذ تغيرها شكل "التراكم"، أي إضافة الجديد إلى القديم، ومن ثمَّ فإنّ نطاق المعرفة التي تنبعِث من العلم يتَّسِع باستمرار.

و سنفحص في هذا البحث مدى إمكانية أن تصبح "المصطلحية العربية" مفهوما نافعا (يشمل مجموعة من المناهج والتطبيقات) في بناء المنظومات المصطلحية وتصنيف المعاجم الخاصة وتـقييمها، وفي سبيل معرفة ذلك سنتطرق للعديد من الإشكاليات المرتبطة بالموضوع، لعل أهمها التساؤل:

- هل المصطلحية معجم لغوي خاص؟ أم هي لغة خاصة تختلف في بنياتها ودلالاتها عن اللغة العامة؟
- هل هي منهج؟ أم دراسة (وبحث)؟ أم عملية بناء المنظومات المصطلحية وتقييسها؟ أم هي في جوهرها كلّ هذا وذاك؟

- ثم كيف نصطلح على العمل المصطلحي القائم على منهج دقيق؟ وما هو المفهوم المتفق عليه لتسمية ونعت طبيعة هذا العمل؟ هل نستعمل "مصطلحية"؟ أم "مصطلحاتية"؟ أم "دراسة مصطلحية"؟ أم "علم المصطلح"؟أم "علم الاصطلاح" أم "معجمية خاصة "؟ أم "معجماتية متخصصة"؟، إلى غير ذلك من المقابلات التي وضِعَت من طرف الدارسين العرب لتكافئ ما عُرِفَ عند الغربِيين باسم: "Terminologie".

- وبغية تحديد دقيق لمفهوم هذا العلم نتساءل عن أوجه تداخل المصطلحية بباقي العلوم والتقنيات المحايثة لها، وما علاقة هذا العلم الناشئ تحديدا بعلم اللسانيات؟ هل هي علاقة تبعية؟ أم علاقة تأثير وتأثر وأخذ وعطاء؟ وفي إطار البحث عن صيغ الروابط القائمة بين هذا العلم من جهة وفروع اللسانيات المتعددة كعلم الدلالة والمعجمية والمعجماتية من جهة أخرى؛ سنحَدّد أيّ المستويات اللسانية أشدّ قرْبا وتعالقا بالمصطلحية.

- وما هي ملامح تطوّر العمل المصطلحي منذ بداياته إلى أن أصبح نشاطا علميا مستقلا؟ ثم ما العوامل التي أدّت إلى تأخر التأسيس النظري لإشكالات علم المصطلحية الحديث؟ وما هي أهم منجزات هذا العلم القديم/ الحديث في نفس الآن؟

- وما هي ملامح التجديد الذي لحق بالمصطلحية الحديثة ذاتها نهاية العقد الأخير من القرن العشرين؟
- ومن هُمْ الأشخاص الذين تنطبق عليهم صفة"مصطلحي" ؟ وهل نعدّ التمييز بين مختلف أنماط العمل المصطلحي هُوَ المحدِّد الأساسي لِصِفة المشتغل في حقل المصطلحية؟

- ولِنكشف عن دور اللساني في العمل المصطلحي، سنُحدِّد مجال (أو مجالات) تدخله لخدمة مصطلحيات العلوم والفنون.

- لمن تخَوَّل سلطة القرار في المصطلحية؟ وما هي الهيئات (أو الأفراد) التي لها الصّلاحية في التقييس المصطلحي؟

- وهل بالإمكان الحديث عن "مصطلحية عربية" متماسكة البنيان ومدعَّمة الأقانيم؟ بمعنى هل بلغت الأعمال المصطلحية المنجزة بالعالم العربي وباللغة العربية درجة من النضج والاكتمال يصحّ معها تسميتها بـ"مصطلحية العربية"، تكون مستـقلة بإشكالياتها وطروحاتها عن نظيراتها بالعالم الغربي؟ وهل استوفت الدراسات المصطلحية عند العرب جميع مقتضيات مفهوم "المصطلحية" كما هو متعارف عليه بالدول المتقدمة (بحثا وتحقيقا (توثيقا) وبناء وتقييسا)؟ أم هي مصطلحية لها خصوصيتها نظرا لسياقها التاريخي التي نشأت فيه؟ أم لا تعدو أن تكون عملا مصطلحيا ليس إلاّ لم يرق بعد إلى تأسيس نظرية اصطلاحية متكاملة الجوانب؟

- وهل نذهب نحن أيضا مذهب بعض الباحثين الذين اعتبروا عمل "مصطفى الشهابي" المصطلحي في المجالين التنظيري والتطبيقي نموذجا لمصطلحية عربية تستردّ أمجاد المحدّثين القدامى؟ وأنه لا يقل فائدة عن دراسات "قوستر"(WUSTER) و"فيلبر"(FELBER) في مجال المصطلحية؟ وآخر ما يستطرد بنا البحث إليه في تقييم الكتابات المصطلحية العربية الحديثة والمعاصرة هو استنطاق البناء التشكيلي لأبحاث "معهد الدراسات المصطلحية" ودراسات مؤسسه الباحث "الشاهد البوشيخي" ضمن هذا الزخم من التراكمات في الحقل المصطلحي؟

- وأخيرا سنتعرَّض لمواصفات العمل المصطلحي الحاسوبي وتجلّياته بالأقطار العربية، في معرض الحديث عن مقوّمات "مصطلحية العربية".

الفصل الأول:


تحديد "المصطلحية" (Terminologie)ومبادئ عملها:

-1-«المصطلحية»: إشكالية تحديد المفهوم ووضع التسمية بالدراسات العربية الحديثة:

لقد غدا مقرَّراً ما اتسمت به "المصطلحية"(Terminologie) بالعالم الغربي من نضج واكتمال في العقود الأخيرة؛ حين أسس مصطلحيو الغرب مبادئ هذا العلم، وحددوا فروعه، فاستقلّ العلم الناشئ بمادته المعجمية الخاصة على المستوى المؤسساتي والاقتصادي[1]، وتطوّرت أعماله، فنتج عن هذه الطفرة انبثـاق "المصطلحاتية" (Terminographie) و"المصطلحية الحاسوبية" (Terminotique) من صلب العلم المصطلحي المتكامل رغم قِصَرِ المسار الزمني الذي قطعه رواد النظر (في شتى الحقول المعرفية) في بلورة منظومته المنهجية، وانتشرت ظاهرة بناء البنوك المصطلحية والمكانز الضخمة العميمة الفائدة. وفي هذا المسار وجدنا أغلب الدارسين العرب لا زالوا بصدد الاصطلاح على مصطلح يحيل إلى هذا العلم الأصيل في جذوره والمحدث في فروعه، مع اختلافهم في تحديد أركانه، وهذا عرض مختصر لأوجه الالتباس في تحديد هذا الـمفهوم عند العرب:

- فهناك فريق من الباحثين العرب المسلّحين بزاد التراث الثمين يصطلحون على تسمية الأبحاث العلمية التي تختصّ بالكشف عن الجهاز المصطلحي، وتبيّن الرؤى الكامنة خلفه باصطلاح "الدراسة المصطلحية"، دون أدنَى إحالة إلى المكافئ الأجنبي، معتبراً "الدراسة المصطلحية" بحثا: «في المصطلح لمعرفة واقعه الدلالي من حيث مفهومه، وخصائصه المكونة له، وفروعه المتولدة عنه ضمن مجاله العلمي المدروس به»[2]. وهذا التحديد يجعلالعلم عبارة عن "دراسة معجمية خاصة"، ولا يلتفت إلى مفهوم "المنظومة" أو "النسقية" المحدِّدَة للعلم.

وقد قام الباحث "ادريس الفاسي الفهري"(2000) بنقد التعريف السابق من وجوه عدة، وقدَّم تعريفين متمايزين للدراسة المصطلحية:

- أولهما مُجْمَل ينبني على اعتِبار: « الدراسةََ المصطلحية منهاج عمل يحصر ويصف استعمالات واصطلاحات علم ما في نص من نصوص ذلك العلم».

- ثانيهما مُفصَّل جعل فيه من مهامّ الدراسة المصطلحية: «استخراج اصطلاحات نص من نصوص علم ما وتحليل استعمالاتها، ثم تعليل معانيها وتصنيفها بحسب شواهد النص نفسه، من أجل تعريف المفاهيم التي تدلّ عليها تلك الاصطلاحات».[3]

إلا أن أبرز ما يميز التعريفين الأخيرين أن أولهما منهاج عمل، والثاني مجرّد تعداد لمهامّ العمل المصطلحي (وهو تعداد قاصر كما سنرى فيما يأتي). لكن أين تتموضع الدراسة المصطلحية للمعاجم المختصة المكونة من مداخل مصطلحية منعزلة عن سياقاتها النصية ضمن هذين التعريفين؟ (باستثناء الحالة التي يُتصور فيها المعجم نصّا من النصوص).

كما تسري نفس الملاحظة على تعريف مصطفى اليعقوبي (2000) للدراسة المصطلحية، إذ يدلّ معناها الخاص عند الباحث على: « تناول المصطلح بإعمال الذهن في نصوصه قصد الكشف عن واقعه الدلالي والاستعمالي كشفا يجعله محدد المعاني والخصائص والعلاقات والضمائم، ومعالجة ما يتعلق به من قضايا ومسائل»[4].ويمتاز تعريف الباحث بردّ الاعتبار إلى الواقع الاستعمالي للمصطلح وتدوين ضمائمه، وتحديده ركن العلاقات (في الدراسة المصطلحية) في التضادّ- الترادف- التناظر- التقابل- والعموم والخصوص[5].

ويبدو أن التسمية الأصيلة "الدراسـة المصطلحية" تنطبق على مفهوم "Terminologie" المستعمل بالثقافة الغربية، لكونها تهتم بالبحث في العلاقات بين المفاهيم وبوسائل توليد المصطلحات وتأصيلها، ولا تشمل عمليات بناء المعاجم والمسارد الاصطلاحية. والراجح أن أغلب تعريفات الدارسين العرب لهذا المفهوم تستـقي مناهلها الأولى من تعريف "علي القاسمي" (1985) لعلم المصطلح (الذي سنأتي على تحليله فيما يلي) بالرغم من اختلاف التسميتين.

- وهناك من ذهب إلى المقابلة بين المفهومين الأجنبيين "Néologie" و"Terminologie" فنعت المفهوم الأول بـ "علم المصطلح"، وأطلق على المفهوم الغربي الثاني اسم "المصطلحية"، محدِّدا إيّاه بأنه: «علم يعني بحصر كشوف الاصطلاحات بحسب كل فرع معرفي، فهو لذلك علم تصنيفي تـقريري يعتمد الوصف والإحصاء، مع سعي إلى التحليل التاريخي»[6]. والواقـع أن التعريـف الذي وسم بـه البـاحث هذا المفهـوم (Terminologie) لا يطابق مضمون العلم (كما عرف في الغرب) تمام المطابقة.

وعند انتقالنا إلى سبر أغوار المفهوم الأول وفق تصور الدارس نجده يعتبر ما يسميه بـ"علم المصطلح" [والمقابل لمفهوم "Néologie"]تنظيريا في الأساس تطبيقيا في الاستثمار، ويحدّد علاقته بعلوم مجاورة، ويبيِّن ارتباطه الكبير بـ"المصطلحية"، مستعينا في ذلك بقدرته التعبيرية الفائـقة وبلاغته الأسلوبية الرائعة كما تتجلى في قوله: «علم المصطلح-على ما نقدره- ينتسب سلاليا إلى علوم التأثيل فالقاموسية، فالمعجمية، ولكنه فرع جنيني عن علم الدلالة، وتوأم لاحق للمصطلحية، بحيث يقوم منها مقام المنظِّر الأصولي، الضابط لقواعد النشأة والصيرورة، فبيْن علم المصطلح ومصطلحية العلم، فرق ما بين المعجمية والقاموسية».[7]

ويتبين من تناول الدارس للموضوع؛ أنه وضع إشكالا جديدا غير مطروح بالدراسات الاصطلاحية الحديثة، فالتقابل ينبغي أن يقوم في نظرنا بين مفهومي "Terminologie" / "Terminographie أما مفهوم "Néologie" (والذي يقابَل في العربية بمصطلح "التوليد") فهو ليس سوى عملية إنتاج الكلمات والمصطلحات، وإجراءً من بين عدّة إجراءات يرتكز عليه المفهوم الأول ليس إلا.[8]

وآثار المدرسة المصطلحية النمساوية (مع رائديها " قوستر"[Wuster] و"فيلبر" [Felber]) غير خافية في معالجة "المسدي" (1984) للحدود الآنفة الذكر.

على أن هناك من رادف بين المصطلحين: "علم المصطلح" و"المصطلحية"، واستعملهما معا للدلالة على المفهوم الأجنبي "Terminologie" مضيفا إليهما أيضا مصطلحا ثالثا هو "علم المصطلحات" [9].
فيقول: علم المصطلح هو «العلم الذي يبحث في العلاقة بين المفاهيم العلمية، والمصطلحات اللغوية التي تعبر عنها.. وهو علم مشترك بين علم اللغة، والمنطق، والإعلامية، وحقول التخصص العلمي»[10].
ويشمل هذا العلم ثلاثة موضوعات أساسية يعرض لذكرها في قوله:« في حقيقة الأمر، تتناول المصطلحية جوانب ثلاثة متصلة من البحث العلمي، والدراسة الموضوعية، بينها كالتالي:

- أولا: تبحث المصطلحية في العلاقات بين المفاهيم المتداخلة (الجنس- النوع، والكل- الجزء) والتي تمثَّل في صورة أنظمة المفاهيم، التي تشكّل الأساس في وضع المصطلحات المصنفة التي تعبر عنها في علم من العلوم.

- ثانيا: تبحث المصطلحية في المصطلحات اللغوية، والعلاقات القائمة بينها، ووسائل وضعها، وأنظمة تمثيلها في بنية علم من العلوم. وبهذا المعنى يكون علم المصطلحات فرعا خاصا من فروع علم الألفاظ أو المفردات (Lexicology)، وعلم تطور دلالات الألفاظ (Semasiology)[11].

- ثالثا: تبحث المصطلحية في الطرق العامة، المؤدية إلى خلق اللغة العلمية، والتقنية، بصرف النظر عن التطبيقات العملية، في لغة طبيعية بذاتها. وتصبح المصطلحية بذلك علما مشتركا بين علم اللغة والمنطق، والوجود، والإعلاميات، والموضوعـات المتخصصة، وكذلك علم المعرفة (Epistemology)، والتصنيف..» [12].

وعوض أن يتجه الباحث إلى وضع الحدود الفاصلة بين المفهومين الغربيين "Terminology" و "Terminography"؛ فهو يسير على خطى المدرسة النمساوية في الدراسة المصطلحية، فيقيم تقابلا من نوع آخر داخل "المصطلحية" بين ما سمّاه "النظرية العامة لعلم المصطلحات" و" النظريات الخاصة" لهذا العلم، إذ تتناول نظريته العامة: « المبادئ العامة التي تحكم وضع المصطلحات، طبقا للعلاقات القائمة بين المفاهيم العلمية، وتعالج المشكلات المشتركة بين جميع اللغات تقريبا، وفي حقول المعرفة كافة»[13]. وتكتفي نظرياته الخاصة بـ: «دراسة المشكلات المتعلقة بمصطلحات حقل واحد من حقول المعرفة »[14]. ( نظير ذلك دراستـنا لمفهومي "Etymology" و"Derivation" وما يقابلهما من مصطلحات عربية في التراث اللغوي العربي وفي الدراسات اللسانية الحديثة بالعالم العربي[15]).

والأجدى في نظرنا التمييز بين نوعين من "المصطلحية" (كما سنرى عند دراستـنا لواقع الدراسات المصطلحية العربية بالفصل الثاني):

- "مصطلحية العربية"،
- "المصطلحية العربية".

ويعود القاسمي في مقال آخر(1995) إلى مزيد من التبيـين لمفهوم العلم المدروس، فيضيف تسمية رابعة إلى زمرة المصطلحات التي نعت بها علم المصطلحية، وهي " الاصطلاحية" وذلك عند إشارته إلى التمييز الذي اعتمده بعض المصطلحيين بين ما أسماه:"علم المصطلح"(Terminology)
و"المصطلحية " (Terminography).

إننا لا نعتبر المفاهيم العلمية الغربية وحيا مقدسا يتوجّب الحرص على عدم التصرف فيه، ف"القاسمي" شأنه في ذلك شأن "المسدي" (الذي قابل بين مفهومين غربيين لا طباق بينهما وهما "Néologie" و"Terminologie ووسم المفهوم الثاني بدلالة مخالفة لفهم الغربيين لهذا العلم) عمل بدوره على التصرّف في المفاهيم الغربية الدالة على العمل المصطلحي، فلم يستسغ التفريق بين المفهومين "Terminology" و"Terminography" واعتبارهما علمين مستقلين، بحجة أن نشاطهما معا يقوم بهما العامل في الحقل المصطلحي.

وأقام الدارس حدّا جديدا يصبح بمقتضاه "علم المصطلح" المقابل لمفهوم: "Terminology" يضم جانبين أساسيين في العمل المصطلحي:

- الجانب الأول: أطلق عليه اسم "الاصطلاحية"، ويتمثل دوره في عملية التسمية أساسا.

- الجانب الثاني: هو "المصطلحية"، ويختص بمعالجة المصطلحات وإخراجها (: أي تدوينها بعد عملية الجرد). ولا يبقى في نظره بعد هذا الإدراج مجالا للفصل بين علمين، بل يتحِد المفهومان في إطار علم واحد.

والواقع أن هاته التقسيمات الجديدة الموضوعة من طرف "القاسمي"، والتي لم تحضَ بإجماع الدارسين؛ سوف تسهم في بث الاضطراب المفهومي مِمَّا سيثير زوبعة من الردود تبتغي حلّ هذا الإشكال البسيط والمعقد في آن، دون الاهتمام بالأعمال المصطلحاتية العميمة الفائدة كوضع المعاجم الاصطلاحية الأحادية اللغة والمتعددة اللغات في شتى التخصصات العلمية والفنية، والعمل على تقييسها ونشرها وتعميمها بين أوساط المختصين.

وإذا عرجنا على تصور "يحيى عبد الرؤوف جبر"(1992) للموضوع، فسنجده يستلهم تعريف "علي القاسمي"(1987) للمصطلحية مع التصرّف في تسمية العلم، بحيث أطلق عليه اسم "علم الاصطلاح"[16]وذلك تماشيا مع طرحه القائل بصحة استعمال لفظ "اصطلاح" عوض "مصطلح"، وقد بينا في الفصل الأول من هذا الباب بطلان هذا الافتراض؛ وأوضحنا أن العلماء القدامى من العرب المسلمين استخدموا لفظي "اصطلاح" و "مصطلح" على السواء للدلالة على نفس المفهوم.

ويمكن الجزم باختصاص الباحث "جواد حسني سماعنة"(1999)في مجال المصطلحية، واغترافه من النضج المعرفي للدراسات المصطلحية الغربية؛ حين قدّم تعريفا شاملا لمفهوم "Terminology" بأنه «العلم الذي يعني بمنهجيات جمع وتصنيف المصطلحات، ووضع الألفاظ الحديثة وتوليدها، وتقييس المصطلحات ونشرها»[17]، فـقرّر تضمن العلم لمنهجيات عدة (ولا يقتصر على منهاج واحد كما ذكر "ادريس الفاسي" (2000)) وحدّد وظائفه في جرد المصطلحات وتوليدها وتقييسها ونشرها، (فلم يحصرها في الجرد والوصف كما رأينا في تعريف "ادريس الفاسي" السابق).

هذا جزء من كلّ عرضناه في هذا المقام لنوضّح مدى الاختلاف الحاصل بين الدارسين العرب في تحديد هذا العلم الجليل بالرغم من توفرهم على مستند تراثي أصيل لدى طائفة المحدّثين.

إن اضطراب الدراسات المصطلحية العربية في تحديد المقصود ب "المصطلحية" وفي الاتفاق على مصطلح محدد يحيل إلى هذا العلم، وتردّدها في ضبط علاقاته بالعلوم المتاخمة له، أو المتفرِّعة عنه (كما سنرى لاحقا)، يجعلنا نتجه صوب الدراسات الغربية قصد تبيان دقيق للمراد بهذه المفاهيم في مواطنها.

-2- الاستعمالات الأولى للفظ "Terminologie" ببعض اللغات الغربية:

إذا كان من الملاحظ أنّ لفظ "مصطلح" و"اصطلاح" قد تواتر استعمالهما في التراث العربي الإسلامي دون التسميات الدالّة على العلم الدارس للمصطلحات(باستثناء اصطلاح المحدّثين على"علم مصطلح الحديث")؛ فإننا نشهد نفس الظاهرة تقريبا بالتراث الغربي، إذ استعمِل بـداية لفظ "Terme"(ومرادفاته) دون أن يشتقّ من لفظه اصطلاح دالّ على البناء الفكـري الـذي يختـصّ بدراسته، وهكـذا لم نـشهـد حلول لفـظ "Terminologie" (حسب رأي "آلان راي" (1979)) إلا في النصف الأخير من القرن الثامن عشر مع المفكّـر الألماني "كريستيان كوتفريد شوتز"(1747-1832) (Christian GottfriedSchutz) [18]، كما استعمِل مصطلح "Terminology" في الأنجليزية عوضا عن مفهوم "Nomenclature". والطريف في الأمر أن اللغة الفرنسية حمَّلَت هذا اللفظ معنى قدْحِياً في بداية القرن التاسع عشر؛ بحيث دلَّ لدى "سبستيان مرسيي" (Sébastien Mercier) سنة (1801) على الإفراط في استعمال مصطلحات غير مفهومة [19].

وإذا سايرنا طرح "آلان راي" (1979) (Rey. Alain فإن أول استعمال للفظ "Terminologie" بمعناه الحديث المتداول لدى المصطلحيين، ظهر بإنجلترا مع "وليام هيوْل" (William Whewell) سنة 1837، وحدّده بكونـه « نسقا من المصطلحات المستعملة في وصف موضوعات تاريخ الطبيعة»[20].

كما عرف هذا المفهوم تطورا دلاليا بالمعاجم الغربية، واكتسب معنى خاصا بمعاجم القرن التاسع عشر معنى خاصا يفيد: مجموعة من الكلمات الغامضة والصعبة والتي لا جدوى من ورائها. وأصبحت هاته النظرة تتغير بمرور الزمن، بحيث عرَّف " بوييِّي" (Bouillet) (1864) المصطلحية بأنها « مجموع المصطلحات التقنية لعلم أو لفنّ، وللأفكار الممثلة بها» [21].

إلاّ أن هذا التعريف الأخير يجعل من المصطلحية رصيدا اصطلاحيا وليس علما مختصّا بدراسة النسق المصطلحي، وشمل هذا الحصر أيضا بعض المعاجم الاصطلاحية الشهيرة أيضا، إذ سنقف فيما يلي على تعريف "ديبوا" ورفقائه (1973) (Dubois. Et Autres) يحدد المفهوم من هذا المنظور. ولا نعلم بالتحديد سبب هذا الحصر، هل يتمثل في عدم تداول اللفظ بمعناه الدال على العلم في عهد المصنِّف، أم أنّ الباحث ركَّز أساسا على استعمال المصطلح في المجال اللساني، بدليل ذكره لتعدّد المصطلحيات اللسانية بتعدّد اللسانيين وإشارته إلى الاختلاف الحاصل بينها.

إلى أن قام مصنفو "روبير الوجيز" في نسخته الصادرة سنة 1978 بالإقرار بالمصطلحية كعلم[22]، وقد كان هذا التصور سائدا لدى المصطلحيين الألمان والروس منذ عقود قبل هذا التاريخ.
وجاء "دليل المصطلحية" الصادر عن منظمة "إيزو" (ISO) ليجمع بين الدلالتين معا.

-1-2- تدرّج "المصطلحية" الغربية في اكتساب الدقة المفهومية عبر توالي العقود:

منذ أزيد من عقدين من الزمن اعتبر "روبير ديبيك" (1979) (RobertDubuc) أن مفهوم "المصطلحية" يشوبه كثير من الغموض، فقال: « لا يزال مفهوم "المصطلحية" (كالشأن في كلّ مفهوم جديد نسبيا) مضطربا جدا، يختلف معناه عند المنظرين عنه لدى المختصين الممارسين للعمل المصطلحي». وحاول الباحث الكشف عن أسباب هذا الغموض، فاستطرد قائلا: « وتتأتَّى الصعوبة الأولى في تحديد هذا المفهوم من تداخل "المصطلحية" مع التخصصات الأسبق منها وجودا، وبالخصوص منها علم الدلالة(Sémantique والمعجماتية (Lexicographie)، والمعجمية(Lexicologie)، بل ربما كانت المصطلحية لا تزيد عن أن تكون إضاءة لهذه التخصصات الأقدم منها»[23].

ولعلّ تأرجح هذا العلم في بداياته التأسيسية بالغرب بين تحديد معاييره التقييسية وصياغة مناهجه الإجرائية لعدّة عقود هو ما دفع الباحث إلى سرد العديد من التعريفات المختلفة التي حاولت تحديد جوهر هذا العلم ووظائفه وعلاقاته بباقي العلوم.

- فمن الدارسين من حصر وظيفة "المصطلحية" في الضبط والتوحيد، أي في توجيه الاستعمال وفرض تداول بعض المصطلحات وحظر تداول أخرى[24].

- وهي عند آخرين عبارة عن "معجمية تـقـنية" وظيفتها جمع المفاهيم المحورية المرتبطة بتخصص أو نشاط بعينه، وتعريفها بدقة وصرامة، وتصنيفها تصنيفا أبجديا في إطار معجمي وفـق الطريقة التقليدية[25].

- كما ينحصر دورها أيضا في إعداد "قوائم" بالألفاظ تكون على أكبر قدر من الشمولية دون أن تجعل لها بنية خاصة، أو تقدمها بواسطة إشارات مفهومية [26].

- أو هي مجموع المصطلحات الخاصة بنشاط أو اختصاص معين[27].

- لتطلق المصطلحية بعدئذ على الطريقة المعتمدة في حشد مجموع المصطلحات الخاصة بتقنية أو بتخصص ما، وفي بنينتها، فهي تتضمن وظيفة البحث عن المصطلحات الخاصة بوضع بعينه، وإعداد جرد لقوائمها، وتعمل على تحديد مفهومي لا يقتصر على حصر المفاهيم الأساسية فقط؛ وإنما يتعداه إلى تحديد الترسانة الكاملة لوسائل التعبير المميزة للميدان موضوع الدرس[28].

ومن الطبيعي أن تشهد كل حركة فكرية ناشئة تطورا عبر الزمن، فتقطع أشواطا عديدة من أجل الوصول إلى مرتبة العلم، لكن ما لا يمكن استساغته في الفترة الراهنة هو اعتبار المصطلحية "فنا" من الفنون أو مجرد ممارسة من الممارسات لا غير[29]، خصوصا بعد تأسيس المدارس الاصطلاحية النمساوية والألمانية والروسية[30] لأركان هذا العلم وتحديدها لمناهجه، وعلى الأخصّ بعد ظهور المؤَلّف الذائع الصيت الذي صنفه "آلان راي" (1979) (Alain Rey)وعرض فيه للإرهاصات الأولى للعمل المصطلحي وتطور المصطلحية ..أي قبل مستهلّ العقد الثامن من القرن العشرين زمن عرض "ديبيك" لتصوره الذي يجعل المصطلحية فنا.

ويمكن القول عموما أن مفهوم "المصطلحية" تتباين درجة علميته من لغة إلى أخرى بحسب مستوى الدراسات المصطلحية في كل لغة، وقد شكّلت مصطلحيات اللغات الأنجليزية والفرنسية والألمانية أساس علم المصطلح الدولي، وعموما فقد عبر المفهوم أربع مراحل أساسية قبل أن يستقرّ في أذهان أهل الاختصاص الغربيين كعلم مستقل بموضوعه ومناهجه:

- المرحلة الأولى: حمل فيها اللفظ معنى استهجانيا، بحيث دلّ على الغموض والالتباس الدلالي الموجود في بعض الكلمات. (انظر أعلاه).
- المرحلة الثانية: اعْتبِرَ فيها المفهوم دالا على مجموع اصطلاحات متن ما[31].

- المرحلة الثالثة : ارتقى فيها المفهوم إلى درجة " فن" جرد المصطلحات ومعالجتها[32].

- المرحلة الرابعة : وصل فيها مفهوم "المصطلحية" إلى مرتبة "العلم" القائم بذاته. وقد صيغت العديد من التعريفات التي تنصّ على هذا المنظور، لعلّ أبرزها القول:

- بأن « المصطلحية هي العلم الذي يدرس المصطلحات، ويبحث في طرق صياغتها واستعمالاتها، ودلالاتها، وتطور أنساقها، وعلاقاتها بالعالم المدرك أو المحسوس »[33]. ويبدو لنا أن هذا التحديد من أشمل التعاريف، وأدقها، بحيث جمع العديد من خاصيات المفهوم،فلمْ يعتبر "المصطلحية" منهجا إجرائيا فقط، ولا بحثا دون منهاج يوضّح معالم الموضوع، كما لا يحصر مجالها في دراسة العلاقات القائمة بين الكلمات والمصطلحات، وهو لا يهمل ذكر المعنى الأول للمفهوم محددا علاقته بالمعنى الثالث: «إذ تشَكِّل المصطلحيات (مجموع مصطلحات مجال معرفي معين) موضوع المصطلحية»[34]، سواء أكان هذا الموضوع عِلميا أو فنِيا[35].

وتعتمد المصطلحية على عدة إجراءات من أبرزها: التصنيف والتعريف، فهي تصنف بشكل طبقي (تقسيم صنافي، منطقي)، وتنظم (ببَنينة المعارف في مجالات كبرى وفي مجالات صغرى وفي حقول دلالية)، وتعرِّف بمراعاة مبدأ أحادية الدلالة من خلال وصف المفاهيم وتمييز بعضها عن بعض، ولذلك فلا غرابة أن تكون التعريفات « تصنيفية، وطبقية، ومبنينة»[36].

-
3-المصطلحية ودرجات "العلمية":

ويعتبر تواتر استعمال المفهومين"Terminology" و:"Scienceterminologic "[37] لـدى رواد الـمدرسـة النمسـاوية (كـ: "فيلـبر" (1987) (H.Felber)) دلالة على اعتبارهاته المنظومة الفكرية علما مستقلا بذاته. ومما يندرج في هذا الطرح التطورُ الحاصل في دلالة المفهوم من مجرد مدونة مصطلحية إلى منظومـة تتميز بنسقيـة دقيقة، فقد عرّف "فوسـتر" (Wuster)(1979) المصطلحية بكونها نسقا يحكم معجم اللغات ذات الموضوعات الخاصة (سميت لاحقا بلغات الأغراض الخاصة)، وتتميز أساسا بالمواصفات الآتية:

* كونها تـنطلق من المفاهيم (Concepts) لترتبط بعد ذلك بالمصطلحات (Terms)؛
* كونها ترتكز على منهج وصفي؛
* كونها تعتمد التقييس (Standardisation
* كونها تجمع بين العديد من اللغات (Interlingual)؛
* كونها تختصّ باللغة المكتوبة.[38]

وتعدّ لفظة "علم" قديمة قدم الثقافة الإنسانية، وعرف هذا المفهوم تطورا بتطوّر الحضارات والمجتمعات البشرية، ويراد به عموما الإنتاجات المعرفية[39] التي صاغها الإنسان أو ابتكرها اعتمادا على مناهج، وأصول، ومبادئ، وقواعد محددة مبنية أساسا على الملاحظة والتجربة.

وإذا أمعننا النظر في أركان العلم الموضوعة من قبل "داود بن عمر الأنطاكي" (ت1008هـ) (والتي مِنْ دون تحقـقها لا مجال للحديث عن علم قائم بذاته في تصوره، وتتمثل في ضرورة التوفر على "موضوع"، و"مبادئ"، و"مسائل"، و"غاية"، و"حدّ "[40]وتحقـقـنا من مدى اشتمال "المصطلحية" (بمعناها العام الذي يضمّ أيضا "المصطلحاتية" و"المصطلحية-الحاسوبية") عليها فسيتبين لنا بشكل لامجال فيه للشك أنها أصبحت علما[41] دقيقا، وليست مجرد فن كما نُظِرَ إليها في فترة من فترات تطورها.

* فموضوع علم المصطلحية هو دراسة المصطلحات وجردها (في مسارد أو معاجم ورقية أو آلية)، وتمييز صالحها من رديئها بفضل تقييسها، ثم إيجاد المقابلات الملائمة لها شكلا ومضمونا في اللغات الأخرى[42] إذا تعلق الأمر بمصطلحية متعددة اللغات.

* وأبرز مبادئ العلم ومسائله: اعتماده على ضوابط دقيقة لوضع التسميات، وارتكازه على مناهج إجرائية في معالجة المصطلحات سنعرض لها بالتفصيل فيما بعد.

* ومن غاياته الأساسية:

«- صياغة المبادئ التي تحْكم وضع المصطلحات الجديدة.
- توحيد المصطلحات القائمة فعلا وتقييسها.
- توثيق المصطلحات ونشرها في شكل معاجم متخصصة[43]».

* وحدّه مجمل التعريفات التي ذكرناها أعلاه.

وأكّد المحدثون من جهتهم أنه لكي يصبح العلم علْما قائما بذاته يجب أن يتوفر على ثلاثة عناصر أساسية هي:

1- المفهوم---- المصطلح /2- القاعدة / 3- المنهج

ويعدّ "المفهوم" أوَّل العناصر المتولّدةمن نشأة العلم سواء كان تطبيقيا أو إنسانيا أو تقنية أو مهنة، وهو عامة: المعنى العلميُّ البسيط الذي يحتاج إلى تسمية كي يأخذ وضع المصطلح، وقد يتأرجح الباحثون بين عدة ألفاظ مسمّية للمفهوم العلمي إلى أن يضمن أحدها شرط الاستعمال المطلق بين طائفة من المختصين فيعدّ عندئذ مصطلحا.

وَوِفق هذا المنظور (الذي يستلزم شرط التداول عند توظيف المصطلح)، تصبح الألفاظ المعبِّرة عن المفاهيم اللسانية والمبثوثة في المعاجم اللسانية العربية التي تعبر عن تصور فردي ولا تحظى بإجماع اللسانيين مجرّد كلمات خاصة، وهي ليست مصطلحات لانعدام الاصطلاَح عليها من قِبَل المختصين في المجالات اللسانية.

وتنشأ القاعدة العلمية خلال تطور العلم من مستواه البسيط (في مرحلة نشأته) إلى مستوى أكثر تركيبا (إثر استقلال منظومتيه الفكرية والاصطلاحية).

والقاعدة العلمية عبارة عن تركيب نسقي من المصطلحات يتمثل دورها الأساسي في حلّ المسائل الشائكة للعلم، وتتشكّل باعتماد المعادلة التالية:

التركيب المصطلحي+ النسق = القاعدة.

والمراد بالنسق في هذا المضمار اشتمال التركيب على الكلية والأصلية.

أما المنهج فهو نسق منتظم تندرج في إطاره القواعد ذات القاسم المشترك. ويرتكز منهج النحاة مثلا (القائم على استقراء كلام العرب والتجريد عبر استصحاب الحال والقياس) على قواعـد علمية عديدة تخص مبادئ "الخفة والثقل" و"الأصل والفرع"[44].

يتبين إذن سواء طبّـقنا معايير تحديد العلم عند القدامى أو لدى المحْدَثين أن "المصطلحية" علمٌ بمنتهى المقاييس، وقد استقل بذاته أواسط القرن العشرين عن بعض العلوم التي نشأ في أحضانها كعلم اللسانيات، وعلم التصنيف، وعلم المنطق، وعلم الترجمة، وعلوم أخرى دوّن منظوماتها المفاهيمية.

ومن الضروري التمييز بين العلم الناشئ والعلم الناضج لانعكاس ذلك على طبيعة الجهاز المفاهيمي للمنظومة الفكرية، إذ تشهد العلوم والفنون مراحل متعاقبة من النمو والتطور منذ فترات نشأتها إلى مراحل اكتمالها، ووصولها إلى مرحلة الكهولة، كما تختـلف طبائع العلوم في درجات علميتها، وتتجلى حقيقة من حقائق التطور الفكري تكمن في تصارُع العديد من الفنون والممارسات الفكرية بهدف الرقيّ إلى مصاف العلم، حتى أصبحنا نشهد في العقود الأخيرة أعلام الفنون الأدبية يطمحون في ترسيخ تسمية "علوم الأدب" في الأذهان.

ومن البدهي أن نجد علما يشتمل على موضوع مضبوط وإجراءات صورية دقيقة في دراسة عناصر هذا الموضوع (مثل الرياضيات)، ونعاين عدة علوم أخرى أقلّ علمية من غيرها بسبب طبيعة موضوعاتها الخاضعة أحيانا للتأثيرات النفسية، والاجتماعية، والذوقية، والانطباعية، وبسبب طبيعة الآليات المعتمدة في تحليل مفاهيم العلم. ولا يمكن أن نغفل في هذا المقام عن معطى توخِّي العديد من العلوم في عصرنا الراهن استخدام لغة صورية مقتبسة من الرياضيات، وتوظيف مصطلحات رياضية وطبيعية وفيزيائية ابتغاء الوصول إلى مستوى من التقعيد الصوري وتأسيس الإشكالات، من ذلك مثلا علم اللسانيات الذي تصوّر بعضهم إلى أنه أكثر صورية من العلوم الصورية ذاتها[45]. وبعيدا عن هذا التصور غير العلمي نقرّ بوجود مفاهيم رحّالة تنتقل من علم إلى آخر، فالناظر في دلالات مصطلحـات مثل: جذر (radical)، أصل (racine نواة (noyau)، شجرة (arbre) بالكتابات العلمية والأدبية سيتبين له مدى انتشارها واستعمالها في عدة علوم إنسانية وتطبيقية.

إلا أنه في إطار تحديد نسَبِ عِلْمِيَّة العلوم ودرجات اكتمال منظوماتها الاصطلاحية، يتبين اختلاف على هذه المستويات في فروع العلم الواحد ذاته، فالأصواتية(Phonétique) والصِّواتة (Phonologie) المتفَرِّعَتان عن علم اللسانيات هما أكثر نضجا واكتمالا في بنائهما العلمي ومصطلحاتهما (المعبرة عن الوحدات الصوتية والمفاهيم الشارحة لوظائف الأصوات وتحققاتها وبدائلها) من اللسانيات الحاسوبية (على سبيل المثال) التي تمثل فرعا مستحدثا بدأ خلال العقود الأخيرة في الاستقلال بذاته عن العلم اللساني الذي احتضنه، ذلك أن هذا الفرع الجديد لا زال في طور النموّ، ولم يصل بعد إلى درجة قصوى من الدقة في تحديد بنائه الاصطلاحي، وتركيبه التقعيدي، وفي وضع أقانيم لقضاياه الإشكالية ذات البعد المنهجي.

وإذا كانت بعض الفنون تـنحو في العصور الأخيرة إلى أن تصبح علوما دقيقة، من مثل الفنون الأدبية والرسم؛ فإن من شأن المقارنة بين مصطلحات العلوم اللغوية القديمة كالنحو والصرف والعروض من ناحية، ومصطلحات النقد الأدبي والدراسات المتخصصة في الأدب عامة من ناحية أخرى، أنْ تبيّن أنَّ دقة المفهوم والمصطلح العلمي الذي يحيل إليه أوفر في المنظومة الفكرية الأولى، وذلك نتيجة تميّـز المصطلح الأدبي بسمات الذاتية والانطباعية. ولا يمكن الجزم بعلمية العلم إلا بناء على الدقة المتـناهية للمصطلحات المستعملة في خطابه. ويبدو أن النحو القديم واللسانيات الحديثة هما أكثر علمية من النقد الأدبي والفروع الأدبية الأخرى. غير أننا سنعالج في عمل لاحق بحول الله طبيعة المصطلح النحوي في الفكر العربي القديم لنكشف عن أنه لا يخلو بدوره من مظاهر التعدد (ترادف واشتراك).

ولقد كان من العوامل التي أدت بالتعجيل باستقلال "علم المصطلحية" عن باقي العلوم المحايثة له:
- ظهور مؤسسات، ومقاولات، وأسواق دولية متعددة اللغات ممّا يستوجب التواصل بلغات مختلفة، وإيجاد المقابلات المصطلحية لجميع مفاهيمها.

- تنامي النزعات الوطنية بدول العالم، يقتضي العمل على تأصيل التيارات الثقافية والتسميات المعيّـنة لها في اللغة الهدف[46].

وعلاوة على فصل بعض المدارس المصطلحية بين النظرية الخاصة لعلم المصطلح ونظريته العامة؛ يتم التمييز أيضا بين نوعين من المصطلحيات:

- مصطلحية عامة (Terminologie générale) من أبرز مهامّها دراسة مبادئ التسمية واستعمال التسميات في المجالات المتخصصة.

- مصطلحية تقابُلية (Terminologie différentielle) تهدف إلى إقامة عناصر المقابلة بين أنظمة التسميات من مجال إلى آخر في اللغة الواحدة أو بين لغة وأخرى في مجال معرفي واحد، وتُعتمد في دراسة المنظومات المصطلحية الثنائية والمتعددة اللغات.

ونظرا لكون المنهج من "أول الأولويات" في بـناء العلوم بتعبير الدارس" الشاهد البوشيخي"؛ فسنبحث في المنهج المعتمد في المصطلحية؟ هل يتعلَّق الأمر فعلا بمنهج واحد؟ أم بمناهج متعددة ؟

[1]- انظر دور الخدمات المصطلحية في ازدهار المقاولات الاقتصادية الخاصة في:
- Jacques Lethuillier et Monique C. Cornier (1990) , "Quelques Aspects du métier de Terminologue" – META –Vol 35 –N° 4 pp: 759-768.

[2]-فريد الأنصاري (2000): "منهجية دراسة المصطلح التراثي"- في: نحو منهجية للتعامل مع التراث الإسلامي –دورة تدريبية من تنظيم معهد الدراسات المصطلحية والمعهد العالمي للفكر الإسلامي– ط 2000-مطبعة النجاح الجديدة – الدار البيضاء– ص179.
وانظر أصول هذا التعريف في:
- البوشيخي (الشاهد) (1993-ب-):مصطلحات النقد العربي لدى الشعراء الجاهليين والإسلاميين قضايا ونماذج- نشر دار القلم بباريس- الطبعة الأولى- مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء – المغرب.
وممن استعمله أيضا:- عبد الحفيظ الهاشمي (2002): "أولوية المنهج الوصفي في الدراسة المصطلحية"- مجلة علامات في النقد – السنة 12-المجلد 45- سبتمبر-صص:402-401.
وشبيه بهذا التعريف الذي يعتبر العلم بحثا قول"عصام عمران"(1993): "علم المصطلحات هو بحث علمي وتقني يهتمّ بدراسة مصطلحات مجال علمي أو تقني معين دراسة علمية معمقة من حيث المفاهيم وتسميتها وتقييسها وتوحيد المصطلح ".(عصام عمران (1993): علم المصطلحات ومشروع لجعل العربية لغة العلوم والتقنية اللسان العربي عدد:37- ص170).

[3]- ادريس الفاسي الفهري(2000) : "تعقيب على ورقة ذ. فريد الأنصاري" – منهجية دراسة المصطلح التراثي –نفس المرجع السابق- ص235.

[4]- مصطفى اليعقوبي (2000): تعقيب على ورقة فريد الأنصاري- ص246.

[5]- انظر تفصيل هاته العناصر في: البوشيخي (الشاهد)(1993-ب-).

[6]- عبد السلام المسدي (1984) : قاموس اللسانيات (عربي- فرنسي/ فرنسي- عربي) مع مقدمة في علم المصطلح، الطبعة الأولى: الدار العربية للكتاب- تونس ص22.

[7]- نفس المرجع السابق .

[8]- من الأفيد للباحث المختص تتبع تطور هذا المفهوم في دراسة :
-Boulanger (j.c)(1989), "L’évolution du concept de NEOLOGIE de La Linguistique aux industries de La Langue"- in : Terminologie Diachronique- Actes du collogue organisé à Bruxelles Les 25 et 26 Mars 1989 , Conseil international de La Langue Française- p :193-220.

[9]- وعلى الرغم من عدم وضع المقابل الأجنبي بين قوسين، فقد استخلصنا هذا التقابل من خلال النظر في التعريفات التي يوردها الباحث عند تحديده المقصود من هذا العلم.

[10]- علي القاسمي(1987): مقدمة في علم المصطلح- نشر مكتبة النهضة المصرية بالقاهرة– ط 2– مطابع أم القرى بمصر - صص17-19.

[11]- لقد درجت الدراسات اللسانية الحديثة على مقابلة مفهوم "Lexicologie" بمصطلح "معجمية"، ونحبذ في تعاملنا مع المفهوم الثاني " Sémasiologie" إجراء التعريب "سيمازيولوجيا" عوض ترجمته بعبارة تفسيرية تفتقد لعنصر الاختزال.

[12]- نفس المرجع.

[13]- علي القاسمي (1980): "المصطلحية (علم المصطلحات): النظرية العامة لوضع المصطلحات وتوحيدها وتوثيقها"- اللسان العربي عدد: 18-جزء 1- ص9. ومن أجل توضيح مدى حضور مبادئ المصطلحية النمساوية يستحسن مقارنة ما أورده "القاسمي" بمضامين دراسة:
- Felber(H) (1984)," Language and the professions, the role of Special Language in Communication"- in : Taal & Beroep n°2, artikelen 19- p 17-30.

[14]- نفس المرجع.

[15]- انظر خالد اليعبودي (1995): محاولة فهم جديدة للاشتقاق والصرف العربيين- رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا –مرقونة بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس- كلية الآداب والعلوم الإنسانية. وقد قابلنا المفهوم الأجنبي الأول بمصطلح "الاشتقاق التاريخي"، واستعملنا مصطلح "الاشتقاق القياسي" مقابل المفهوم الغربي الثاني.

[16] - يحيى عبد الرؤوف جبر (1992): "الاصطلاح مصادره ومشاكله وطرق توليده" اللسان العربيعدد: 36- ص:144. كما أدى اجتهاد الباحث أيضا إلى ترجمة مفهوم "Onomastique" بعبارة اصطلاحية شديدة الطول، هي: "فلسفة الإنسان في تسمية ما حوله"، مع العلم أن المفهوم الغربي لا يتضمن "فلسفة"، و لا يشير إلى "إنسان"(ن م)، بقدر ما يدلّ على الدراسة المختصة بأسماء الأعلام.

[17]- جواد حسني سماعنة (1999).

[18]- وقد استعمل هذا الدارس الصفة: "Terminologisch".

[19]-Rey ( Alain) (1979) : Terminologie : Noms et Notions- P.U.F- Paris, pp :6-7.

[20]-William whewell (1837), L’Histoire des Sciences inductives – voir : Rey (1979) : idem.

[21]-Bouillet (1864) , Dictionnaire des Sciences , des Lettres et des Arts – 7 e-édition .

[22]- إذ نجد المدخل " Terminologie" معرَّفا بمعجم "روبير الوجيز" (1978) على النحو الآتي :
فهو: "دراسة نسقية للمصطلحات التي تقوم بوظيفة تسمية أصناف الموضوعات والمفاهيم ، وهي المبادئ العامة التي تحكم هذه الدراسة":
Le Petit Robert (1978) -

[23]-Dubuc Robert (1979): Manuel pratique de Terminologie, Montréal, Linguatech et Paris, CILF.
- Dubuc Robert (1977): "Qu’est ce que La Terminologie?" dans La Banque des Mots, Paris-n°13-pp : 3-14.

[24]- نسب الباحث "ديبيك" (1979) هذا التحديد إلى بعض التقنيين المتحَمِّسين لفاعلية التواصل. (نفس المصدر السابق).

[25]- وقد عزا هذا التصور إلى أغلب الجامعيـيناللسانيين والمعجميين (نفس المصـدر). ويقدم " آلان راي " (1979) عدة تعريفات لمفهوم "المصطلحية، لعل أجدرها بالذكر في هذا المقام اعتباره المصطلحية "نسقا تعريفيا وسيطا بين اللغات". (ص:25 ).

[26]- وأشار إلى أن هذا الاعتقاد ساد لوقت طويل لدى بعض المدارس المصطلحية.

[27]- كما هو الشأن في مصطلحية الكيمياء التي وضعها "لافوازييه"، وذكر "ديبيك" أن هذا المعنى يتضح بشكل كبير في "الفرنسية المعاصرة".( نفس المرجع) .

[28]- وجعل الباحث هذا الفهم هو التصور الأخير الذي شـاع وتداول في أوساط المصطلحيـين (ن م).

[29]- ففي وصف "روبير ديبيك" (1979) للمصطلحية يقول: إنـها « تبدو في الوضع الراهن من تطورها بمثابة فن تحديد القاموس الخاص بتقنية معينة، وتحليله، وابتكاره عند الاقتضاء، في إطار وضع عملي ملموس، ما يسمح بتلبية حاجات المستعمل التعبيرية ».
ويتأكد اعتبار الباحث "للمصطلحية" فنا في قوله : « تلوح المصطلحية في وضعها الراهن، كأنها فن أو ممارسة، أكثر منها علم، فهي وإن كانت ذات موضوع محدد، يتمثل في تلبية حاجات المستعملين التعبيرية، فإن مناهجها أكثر تجريدية، وتفتقر إلى الصرامة التي يشهد بها للمناهج العلمية، وربما أمكن لتقدّم الأبحاث النظرية، وتهذّب طرائق التعيين والتحليل والابتكار أن ترقى بالمصطلحية يوما ما، إلى مصاف العلوم المنبثقة من اللسانيات، أما في الوقت الراهن فسيكون من الاعتساف اعتبارها علما » (نفس المرجع).

[30]- عرفت المصطلحية بداياتها كعلم قائم بذاته مع بداية الثلاثينات من القرن الماضي، بفضل تزايد الأنشطة الهادفة إلى التقييس المصطلحي، وقد برزت مدينة "فيينا" النمساوية كمركز عالمي للمصطلحية، واعتبِرَ "أوجين فوستر"(EUGEN WUSTER)أبا للمصطلحية، وتُـوِّجت أنشطة هذا المركز بنشأة المنظمة العالمية للتقييس (إيزوI.S.O ) ومركز "إنفوترم" (INFOTERM).
كما ساهم الاتحاد السوفياتي (المنقرض) في تطور المصطلحية، وذلك نتيجة تعدد النـزعات القومية بمجموع ترابه الذي يضم العديد من الإثنيات، وقد أدى اعتماد سياسة لسانية لمواجهة هذا الوضع إلى التفكير في وضع نظرية مصطلحية تجد أصولها الأولى في مرتكزات مدرسة فيينا، مع ميل الروس نحو الأخذ بعين الاعتبار العوامل الاجتماعية وواقع اللغة.
إلا أنه أنه بالرغم من عدم استثمار المصطلحية لمنجزات الدرس اللساني الحديث بالشكل الأمثل؛ فقد عرفت المصطلحية تطورا كبيرا في العقدين الأخيرين، خصوصا مع الأعمال المصطلحية التطبيقية للمعاهد العلمية الكندية.
انظر في هذا الشأن:
-Guespin (Louis) (1995), "La circulation Terminologique et les rapports entre Science, technique et production" –in : Meta –vol : 40 n°2-Juin- p : 210.

[31]-كان بإمكاننا أن نتذرَّع لدى ملاحظتنا اعتبار ديبوا (1973) "المصطلحية" )مجموعَ مصطلحات علم ما) بأن المفهوم بمعناه الدال على "علم" لم يـختمر بعد في ذهنه، ولم يتداول كفاية زمن تصنيف معجمه اللساني، لكن إطلالة على أغلب المعاجم والموسوعات تكرّس نفس التصوّر– انظر موسوعة "Axis"على سبيل التمثيل. مما يبين أن اعتبار هؤلاء أن معنى المصطلحية الدال على قائمة مصطلحات معنى مقيَّس (normmalisé) في حين أن المعنى الرابع الذي يجعله في مصاف العلوم غير مقيس في أوساط العلماء وأهل الفكر.
- Dubois (j)& (autres) (1973) , Dictionnaire de Linguistique-Paris- Larousse- p 486 .
وقريب من هذا المنظور تعريف "ويرسج" (Wersig) للمصطلحية بأنها رموز لغة ما في موضوع خاص، تتميز عن معجم اللغة العامة، وهي أيضا قائمة فرعية لمعجم يتضمن عناصر ليست متضمنة في المعجم العام.

[32]- انظر روبير ديبيك (1979): نفس المرجع السابق .

[33]-Gouadec Daniel (1990) , Terminologie Constitutions des données- afnor gestion- Paris, p : 12.

[34]- نفس المرجع السابق .

[35]-وفي نفس المنوال يصبّ تعريف الموسوعة "Universalis"(2001) الآتي، وإن كان أشدّ إيجازا: (المصطلحية علم يدرس ألفاظ اللغات الخاصة):
- Encyclopedia Universalis (2001) France (Article Terminologie).

انظر أيضا: -Vocabulaire Systématique de La terminologie, œuvre collective, éd 1979 office de La langue Française- Montréal (Canada)

[36] - De Bessé (1990), : "La définition terminologique" –in : La définition-Paris, Larousse-p :254.

[37]- انظر: هليل (محمد حلمي)(1988): "المصطلحية في عالم اليوم"- ترجمة لمقال هلموت فيلبر – اللسان العربي – عدد 30-صص:217-201 .

[38]-Sager.J.C (1984) , "Terminology & Technical dictionary"- in The International Conference on Lexicography at Exeter 9-12 September 1983, LEXICOGRAPHICA ; Tubingen 1984.

[39]-ويميز أبو البقاء الكفوي(1981) بين المعرفة والعلم بقوله: « المعرفة تقال للإدراك المسبوق بالعدم ولثاني الإدراكين إذا تخللهما عدم ولإدراك الجزئي وإدراك البسيط. والعلم يقال لحصول صورة الشيء عند العقل وللاعتقاد الجازم المطابق الثابت ولإدراك الكلي ولإدراك المركَّب. والمعرفة تقال فيما يدرك آثاره وإن لم تدرَك ذاته، والعلم لا يقال إلا فيما أدرِك ذاته، والمعرفة تقال فيما لا يعرَف إلا كونه موجودا فقط، والعلم أصله أن يقال فيما يعرف وجوده وجنسه وكيفيته وعلته. والمعرفة تقال فيما يُتوَصَّل إليه بفكر وتدبّر، والعلم قد يقال في ذلك وفي غيره » الكليات:معجم في المصطلحات والفروق اللغوية،تح :عدنان درويش ومحمد المصري دمشق، وزارة الثقافة والإرشاد القومي 2ج.صص868/824.

[40]-داود بن عمر الأنطاكي: تذكرة أولي الألباب والجامع للعجب العجاب – المكتبة الثقافية– بيروت (د ت).
ونقتطف في هذا المقام جزءا من النص الذي يحدد فيه المصنِِِِِِف هاته الأركان ليتبين للدارس مقوِّمات هذا التصور الدقيق « اعلم أن لكل علم (موضوعا) هو ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية و(مبادئ) هي تصوراته وتصديقاته و(مسائل) هي مطالبه الحالة مما قبلها محلّ النتيجة من المقدمتين و (غاية) هي المنفعة و( حدّا) هو تعريفه إجمالا» ( ن م).

[41]- لقد ظل العلم مرتبطا بالفلسفة في الغرب لمدة طويلة، حيث كانت الفلسفة تمثل العلم الأمثل الذي يضمّ المبادئ والعلل الأولى، وكانت باقي العلوم تأخذ عنها الأسس والركائز التي يقوم عليها، خصوصا منها الفيزياء، وقد اضمحلّ هذا الارتباط منذ القرن السابع عشر مع ظهور المنهج التجريبي وتطور العلوم الوضعية، وبدأنا نشهد ابتعاد العلوم عن الفلسفة. وتميزت هاته المرحلة أيضا باقتراب العلوم من التقنيات إلى درجة دفعت بعضهم إلى تسمية العلم بـ"العلم–التقنية" (Techno- Science).
ولم يؤثر الفصل بين العلوم والفلسفة على مسألة الاستقلالية بين المنظومتين فقط، بل امتدّ هذا التأثير ليمسّ أيضا طبيعة المشروع العلمي ذاته، فلم يصبح هدف العلم الأساس هو معرفة العالم فقط، بقدر ما هدف أيضا إلى تغييره، ولم يعد العلم تفسيريا فقط بقدر ما أصبح وصفيا كذلك.ِ
وإذا كان العلم الغربي نشأ بين أحضان الفلسفة وترعرع في حظيرتها، فالأمر خلاف ذلك في الفكر العربي الإسلامي، إذ اعتبر القرآن الكريم البؤرة التي نشأت عن دراسته العلوم، لتتفرّع بعد زمن إلى علوم أصيلة وعلوم دخيلة.

[42]- وقد أدرج الباحث "فريد الأنصاري"(2000) القواعد والمنهج وكذلك الإشكالات والقضايا المصطلحية ضمن موضوعات الدراسة المصطلحية:
"فموضوع الدراسة المصطلحية (عند هذا الباحث) بصفة عامة يمكن تقسيمه إلى صنفين كبيرين:
أ- المدروس المصطلحي: أي كل ما له صلة بالمصطلح، وعلى رأس ذلك لفظ "المصطلح"، ومنه أيضا: الألفاظ، والنمو الدلالي للمصطلح، والتطور والمواد الاصطلاحية، واستعمالات المصطلح، والتعريف.
ب- المدروس غير المصطلحي، كالقواعد، والمنهج، والموضوع، والإشكال، والقضايا ... الخ".
انظر: مصطفى اليعقوبي (2000): تعقيب على ورقة الأستاذ فريد الأنصاري "منهجية دراسة المصطلح التراثي "-نفس المرجع، ص:245.
إلا أننا لا نعدّ الموضوع الثاني للمصطلحية مجرد خطوات إجرائية وضعت في خدمة الموضوع الأول الأساسي، إذ لا يمكن دراسة المصطلح دون تحديد صارم للموضوع، ووضع للمنهج المعتمد في تقييسه وتقنينه..

[43]- القاسمي علي(1988): "علم المصطلح بين علم المنطق وعلم اللغة، العناصر المنطقية والوجودية في علم المصطلح"- اللسان العربي عدد 30- ص:96-81.

[44]- انظر للتفصيل في هذه المسألة: "تمام حسان"(1981): الأصول: دراسة إيبستمولوجية لأصول الفكر اللغوي العربي (النحو- فقه اللغة- البلاغة) الطبعة الأولى: دار الثقافة– البيضاء.

[45]- الحناش محمد (1992): محاضرات السلك الثالث– مادة التركيب- والواقع أن اللسانيات "لا تخرج عن نطاق العلوم الإنسانية، وإن استمدَّت الكثير من أدواتها من العلوم الأخرى كالرياضيات، والفيزياء، والطب"
(أحمد محمد قدور (2001): اللسانيات وآفاق الدرس اللغوي– ط 1: دار الفكر–دمشق– ص13).

[46]-Teresa Cabré(1991), "Terminologie ou Terminologies ? Spécialité Linguistique ou Domaine Interdisciplinaire ? " - META –Vol 36– n° 1-pp 55-63

آخر تحرير بواسطة إدارة المنتديات : 12/03/09 الساعة 07:32 السبب: تنسيق الفقرات
رد باقتباس
  #10  
قديم 26/05/09, 06:25
ادريس البقالي ادريس البقالي est déconnecté
 
تاريخ الانضمام: 03/12/08
بلد الإقامة: المغرب
المشاركات: 7
Arrow تتمة كتاب خالد اليعبودي "المصطلحية وواقع العمل المصطلحي بالعالم العربي"

فيما يلي نقدم للقارئ المختص فصولا أخرى من كتاب المختص في علم المصطلح، ويتعلق الأمر بمبحث في "مناهج البحث في المصطلح"، ومباحث أخرى في الفروقات الدلالية بين "المصطلحية" و بعض مفاهيم العلوم القريبة من "المصطلحية"، وهي تعريفات شديدة الأهمية لإبعاد كل خلط أو التباس بين بعض المفاهيم المتجاورة والمتداخلة أحيانا..
شكرا لليعبودي، ونتمنى أن يزيدنا من عطاءاته..

""
-4- بعض من مناهج "المصطلحية" :


لا تخفى أهمية المنهج في بناء العلوم التطبيقية والإنسانية، وعند الخوض في أي نشاط من الأنشطة الإنسانية التقنية، ولا تنشز "المصطلحية" عن هاته العلوم في احتياجها الشديد إلى منهج يحدد خطواتها الرئيسة، ويضبط قوانين عملها، فثمرة الدراسة الاصطلاحية: « منهج قائم بذاته في الدرس، يعتمد العلمية، بشروطها في الوسائل، من الاستيعاب إلى التحليل، فالتعليل، فالتركيب» [1].
وقد انبثقت الدلالة الاصطلاحية للفظة "منهج" من دلالته اللغوية التي تفيد معنى "الطريق الواضح" ليطلق في المعارف المتخصصة على طرائق البحث الكاشفة عن خواصّ الدراسة ومراحلها، ويراد منه أيضا مجموع العمليات العقلية والمنطقية المرتكزة على إجراءات القياس والاستنباط والاستقراء بحسب طبيعة الموضوع المدروس[2].
ونتيجة لأهمية المنهج في تناول المسائل الموضوعية للعلوم نشأ علم حديث سمي "علم المناهج" تمثـل هدفه الأساس في البحث في الطرق التي يلجأ إليها الباحثون لدراسة الظواهر العلمية والفنية والكشف عن حقيقتها[3].
ولعلّ أبرز المناهج المعتمدة في "علم المصطلحية":


1-4-- المنهج الوصفي :

تتجلى قيمة الوصف المصطلحي حين يعمد المصطلحيّ إلى وصف تلك المصطلحيات التي ترفض إجراء عملية التقييس على منظوماتها نظرا لعدم استمراريتها (كمصطلحيات الحرفيين على سبيل المثال التي تتطور على الدوام)، وحيـن يقوم أيضا بوصف مصطلحات مرَكّبة غير قابلة للتجزيء.
ويقوم المنهج الوصفي على «تجميع الحقائق والمعلومات، ثم مقارنتها، وتحليلها، وتفسيرها؛ للوصول إلى تعميمات مقبولة»[4]. ويمكن للدراسة الوصفية أن تكون في أغلب الحالات تزامنية (Synchronique)، فتنصبّ على دراسة وصف موضوع أو واقع معين في فترة زمنية محددة، كما يمكن أن تتسم بالتعاقبية (Diachronique) فتعمل آنئذٍ على تتبّع هذا الموضوع أو الواقع خلال عدة مراحل زمنية تختلف من حيث النمو والتطور.
ومن أبرز الآليات التي يرتكز عليها المنهج الوصفي: إجراءات تتعلق بمسح البيانات والحقائق، وأخرى ترتبط بالفحص التفصيلي لكل حالة قصد دراسة كل منها على حدة، كما يعتمد هذا المنهج بشكل كبير علىالإحصاء الذي يمَكِّن من جمع البيانات والمعطيات بلغة رياضية دقيقة ليتاح وصفها بعد ذلك في مرحلة لاحقة، فيتيح للدارس بعدئذ فرصة الشروع في تحليل أعمق للظواهر المدروسة بناء على قواعد وأنساق محددة[5].
ويقتضي تطبيقُ المنهج الوصفي في المصطلحية تشريحَ المصطلح، وتحديدَ جوهره، وحصرَ نسب تواتره بمصنف معين أو بمذهب محدد أو بمجموع تراث أمة من الأمم، مع الحرص على ضبط أيّ تطور دلالي يلحقه من جرّاء استعمالاته المتعددة.
وقد لخّص الباحث "الشاهد البوشيخي" (1993) الأركان التي ينبني عليها هذا المنهج، والشروط التي يلزم الدارس التـقيّد بهـا، والمتمثلـة في:
« - إحصاء لكلّ النصوص التي وردت بها المصطلحات في الكتاب، أو الكتب المدروسة إحصاء لا يهمل مستعملاً من مستعملات المادة الاصطلاحية، اسما كان أم فعلا، ومفردا أم مركبا.
- دراسة المواد الاصطلاحية بالمعاجم اللغوية، فالاصطلاحية (..) وذلك ليتمهّد الطريق إلى فقه المصطلح، وتذوقه بعد، وليسهل تصحيح الأخطاء التي قد يكون جلبها الإحصاء قبل.
- دراسة مصطلحات تلك المواد بالنصوص المحصاة، دراسة تصنّف نصوص كلّ مادة حسب المستعمل منها اصطلاحيا، وتتفهّم نصوص كلّ مصطلح نصّا نصّا، تفهّما لا يدرس نصا ما، أو استعمالا اصطلاحيا ما، بمعزل عن نظائره، ولا يتبين مصطلحا من المصطلحات بمنأى عن أسرته، وعمّا يأتلف معه ويختلف ..
-عرض لنتائج ذلك في صورة دراسة المصطلحية، تراعي-فيما ينبغي أن تراعي-:
أ-ذكر صفات المصطلح التي تستـفاد من مجموع، أو بعض نصوصه، كالخصائص التي يتميز بها من سواه، والنعوت، أو العيوب التي ينعت بها أو يعاب، والأحوال التي يرد عليها، من إضافة أو إطلاق، وإسمية أو وصفية، وتعريف أو تنكير.
ب- ذكر العلاقات التي تربط المصطلح بسواه، والفروق التي تفصله عن سواه، ولا سيما التضادّ والترادف، والتقابل والتناظر، والعموم والخصوص.
ج-عرض الضمائم التي قد تكون لها هي كذلك صفات وعلاقات»[6].
والمنهج الوصفي بهذه المواصفات التي تضبطه هو المعتمد في دراستنا للمعاجم اللسانية العربية المزدوجة والمتعددة اللغات، إلا أننا حصرنا الدراسة الوصفية في المتن المعجمي دون أن تتعداها إلى نصوص الكتابات اللسانية التي تضمنت تسميات مفاهيم العلم اللساني[7].



2-4-- المنهج التاريخي :

ويقسّمه أحد الباحثين إلى قسمين:
- القسم الأول: يعتمد فيه المنهج التاريخي كطريقة بحث.
- القسم الثاني: يتميز باعتماد المنهج التاريخي كقدرة شرح.[8]
ويتمّ تبنّي المنهج التاريخي كطريقة بحث في دراسة المصطلح النحوي العربي عبر الإجابة عن التساؤلات التالية:
- كيف نشأ المصطلح النحوي في الفكر اللغوي العربي القديم؟
- ما هي سمات التطور التي لحِقـته دلالة واستعمالا؟ (خصوصا بعد تفرعه إلى مدارس ومذاهب شتى).
- وكيف أصبحت معالمه بعد مرحلة استقراره؟
وفي حال الإجابة الدقيقة عن هذه التساؤلات عند دراستنا للمصطلح النحوي العربي، نكون قد قطعنا أشواطا حاسمة في سبيل تحقيق "المعجم التاريخي للمصطلح النحوي العربي" الذي يعدّ خطوة نحو بناء "معجم المصطلحات العلمية والفنية في اللغة العربية"[9]، ويعتبر المعجم الأخير بدوره شوطا أساسيا من أشواط بـناء "المعجم التاريخي للغة العربية"، وهو المشروع الأساسي ل"معهد الدراسات المصطلحية" بفاس، وقد شرع في بناء مراحله الأولى بتظافر جهود ثلّة من الباحثين.
ويهتم المعجم التاريخي للاصطلاحات النحوية أساسا بمعرفة تطور مصطلحات النحو العربي القديم وفروعه المنبثقة منه كالأصوات، والتصريف، وفقه اللغة، والمعجم (..).
وتتجلى الحاجة الماسَّة إلى تحقيق شامل ودقيق لجميع المخطوطات النفيسة في المجال اللغوي المتراكمة فوق رفوف المكتبات العربية والغربية قبل الشروع في بناء معجم المصطلحات النحوية العربية، وذلك للتمكن من استيعاب جيد لمصطلحات متون العلم، وردّها إلى أصولها.
ويكشف "الشاهد البوشيخي" (1993-ب)عن الصعوبات التي تعترض الباحث الذي يتوخى تحقيق هذه الغاية، طارحا السؤال المبدئيّ:
«من منَّا يقدِر وحده، عِلمِيا، على إنجاز ذلك؟ ثم هل يجوز منهجيا وعلميا، البدء بذلك؟». ويشرح الباحث المقصود ب"المنهجي" و"العلمي":
« أقول: (منهجيا)، لأن رصد التطورات يقتضي عقلا، العلم بالمتطوّر، في كلّ خطوة من خطوات سيره، ولتحصيل ذلك العلم، لا بدّ من دراسة خاصة لكلّ خطوة من تلـك الخطى، بل لكل مكوِّن من مكوِّناتها، مؤلَّفاً أو مؤَلِّفا؛ فهل فعل ذلك قبل التاريخ؟
وأقول: (علميا)؛ لأن تلك الدراسـات، وذلك الرصـد للتطورات، لن تكون نتائجه علمية، بالمعنى الصحيح للكلمة، إلا إذا استوفى شروط الدراسة العلمية. وأولها -ولا شكّ- الاستيعاب التام للمادة، ولا سبيل إليه هنا بغير الإحصاء. فهل فهرِست، فعلا، جميع أماكن ذكر المصطلح، في جميع المصادر، ولدى جميع المؤلفين، وعبر جميع القرون؟ ثم إنْ فُهْرِسَتْ بإحصاء أمين، فهل خضع كل نص فيها للتحليل والتعليل اللازمين؟ وهل تمَّ تركيب الصور الجزئية، للدلالة المستنبطة من النصوص، في كلّ مؤلَّف مؤلَّف، قبل تركيب الصورة الكلية لتاريخ كلّ مصطلح؟
إن المنهج التاريخي في دراسة المصطلحات مهم جدا، إذا جاء في إبّانِه وبشروطه، وإلا فلا سبيل منهجيا، وعلميا، إلى اعتماد نتائجه![10]» ومن تمّ كان من البديهي أن يحين أوانه بعد المرحلة الوصفية للمنظومات المصطلحية القديمة والحديثة.
ويبدو أنه من الأفيد العودة إلى تراث لحن العامة[11] المدوّن في كتب اللحن باعتباره مصدرا أساسيا لكل متتبع للتطورات الدلالية والصوتية والصرفية والتركيبية للفصحى. ونظرا لتضمّن هذا النوع من المؤلفات الكثير من المصطلحات والمواضعات المتعلقة بالعلوم والمعارف التي ظهرت بعد توسع رقعة الدولة الإسلامية فإننا نعتبر ضرورتها لا تنحصر فقط عند بناء المعجم التاريخي للغة العربية، وإنما تـفيد أيضا في تصنيف المعاجم الاصطلاحية الحديثة.
والواقع أن العمل على تشيـيد معجم تاريخي للاصطلاحات النحوية المتداولة في المصنفات اللغوية العربية لن يكون شاملا ملتـزِما بصرامة المنهج العلمي التاريخي ما دام أغلب التراث النحوي مفقودا خصوصا ما تعلق منه بالرسائل والمصنفات التي شكّلت الإرهاصات الأولى لنشأة المنظومة النحوية.


3-4-- المنهج الوصفي التاريخي:

وهو جمع تطبيقي للمنهجين الوصفي والتاريخي في دراسة المصطلح وتحليله، وتجدر الإشارة بهذا الصدد إلى أن المنهج التاريخي يستثمر إجراءات المنهج الوصفي أكثر مما يوظف المنهج الوصفي معطيات المنهج التاريخي ونتائجه، وذلك بيِّن نتيجة السبق الزمني للتحليل الوصفيّ (المحدد في فترة زمنية بعينها) على الدراسة التاريخية التي تشمل مجموعة متون تنتمي لفترات زمنية متعددة.
ويمكن للدراسة الوصفية أن تستعين بمبادئ المنهج التاريخي حين يراد الوقوف عند بعض المفاهيم أو النصوص التي يعود تاريخ استعمالها إلى زمن أسبق من زمن تأليف المصنف أو المعجم المدروس.
ونسجِّل في هذا المساق أن الجمع بين المنهجين الوصفي والتاريخي غير ممكن في دراسة المعاجم اللسانية العربية الحديثة، نظرا لتولّد هذه المتون في فترة زمنية متقاربة، وعدم الإمكان هذا حاصل بالرغم من توظيف المعاجم المدروسة للكثير من المصطلحات التراثية، ويمكن تطبيق بعض بنود المنهج التاريخي عند معاينة طبائع المصطلحات النحوية المتداولة بمصنفات النحاة المتقدمين.
وقد جعل متنُ الدراسة المصطلحية التي قام بها الدارس "الشاهد البوشيخي" (1993-ب) (والمكوَّن من مصطلحات النقد الأدبي المستعملة طوال عصور متعددة)؛ الجمعَ بين المنهجين قائما ووارداً معتبرا هذا المنهج المركب من الوصفي والتاريخي إعمالا تزامنيا لأصول وقواعد المنهجين، وهو « إعمال يبني قواعد هذا على أصول ذاك، ويستثمر نتائج أحدهما لفائدة الآخر.. بصورة تكاملية، تعطي للدارس انطباعا؛ أنه بإزاء منهج واحد لا منهجين »[12].
ومن الدارسين أيضا من يرتكز في دراساته المصطلحية على منهج تكاملي[13]، ونرى أن تكامل المناهج المصطلحية واعتمادها بشكل علمي دقيق سيمكِّن من استشراف آفاق أكثر تطورا في مجال البحث والتقييس والتدوين المصطلحي.
ولا شكّ أن متون المعاجم الاصطلاحية تختلف باختلاف المناهج المعتمدة في بنائها، وباختلاف الأهداف المسطرة من قبل مصنفيها، إذ يرتكز المعجم المصطلحي لعلم من العلوم أو فن من الفنون على المنهج الوصفي في تتبّع مفاهيمه الأساسية والمتعلقة بها. كما يعتمد المعجم التاريخي لمجال علمي أو للغة العامة على المنهج التاريخي- الوصفي نظرا لاهتمامه بوضع بطاقة تقنية عن كل مفردة يؤرخ لظهورها وتطوراتها ويصف سماتها اللسانية[14].
والواضح أن بناء "القاموس الموسوعي للمصطلحات العلمية والحضارية العربية" يمكن أن يستفيد بشكل كبير من كل الدراسات المصطلحية التاريخية، والوصفية، والتحليلية المنجزة، ومن المنظومات المصطلحية المدونة بجميع المعاجم والبنوك المصطلحية المتوفرة إلى حدّ الآن، ولا يمكن بناء عمل ضخم بهذا المستوى وإنجاز مراحله المتعاقبة دون الاعتماد على التقنيات الحاسوبية.

-5-تحديد فئات المشتغلين بالمصطلحية:


لقد درج الدارسون للمصطلحية على اعتبار «المصطلحي» ذاك الباحث المختصّ في وضع المصطلحات وتقييسها، إلا أن هناك من يتعدى هذا التحديد ليجعل مستعملي المصطلحيات هم المصطلحيون الحقيقيون، نتيجة احتياج هؤلاء إلى التسميات، واضطرارهم إلى إجراء التدخيل اللغوي، وقد ميزت الباحثة "تيريزا كابري" (TeresaCabré) (1991) بين صنفين من مستعملي المصطلحيات:
- فهناك فئة مستعملي المصطلحيات العلمية والتقنية، وهم في أغلبهم من العلماء والتقنيين العارفين للمجال المعرفي، وقد نجد بعضهم من الباحثين المرموقين في وضع تسميات المفاهيم النوعية.
- وهناك أيضا فئة مستعملي اللغات الخاصة، وهي لغات الصنّاع والحِرَفِيـين، والجماعات الخاصة.
وبالرغم من احترافية الطائفة الأولى واطلاعها الواسع على دقائق أمور العلوم المتخصصين فيها؛ إلا أنه ليس بإمكان أصحابها القيام بالبحث المصطلحي من دون تمرّنهم على منهجيات العمل المصطلحي.
ويتطلب من "المصطلحي" أن يتكَوّن في العديد من الحقول ويطَّلِع عليها، وهي كالآتي:
- سياق المجال العلمي وتنظيمه؛
- مضمون المجال المعرفي؛
- الأسس المحورية للمصطلحية؛
- إجراءات العمل المصطلحي؛
- مقاييس تقديم العمل المصطلحي؛
- الوسائل اللسانية، والطرق الهادفة إلى نقل المقترحات الجديدة الخاصة بتكريس منظومة مصطلحية ما، ونشرها[15].
ومن البديهي أن نجد العالم المتخصص يتـقن بعض هاته الحقول (خصوصا منها الأول والثاني والأخير)، لكن بعضها الآخر يتطلب عملا دؤوبا من طرف المتخصص بغية إتقانه (خاصة منها الإجراءات المتبقية).
وعموما، فهناك فئات متعددة ذات صلة بالدراسة المصطلحية وبالعمل المصطلحاتي، نجد من أبرزهم: المصطلحيون، ومصنفو معاجم اللغات الخاصة والمسارد الثنائية والمتعددة اللغات في مختلف الحقول المعرفية والتقنية والمهنية، ومترجمو الأعمال الثقافية، وخبراء التقـييس المصطلحي، ومنفذو مشاريع التعريب، وعلماء الاختصاص كل بحسب مجاله الذي يتقنه.
ومن المهامّ الأساسية للمصطلحيّ (Terminologue)تحديد موضوع العلم (أو الفنّ أو المهنة) الذي يقوم بدراسة مصطلحاته، وينظر في العلاقات القائمة بين التسميات والعناصر التي تحيل إليها، كما يدرس مبادئ صياغة المصطلحات وطرق إنمائها، ويبحث في مختلف أنماط العلاقات القائمة بين المجموعات المصطلحية، ويسنّ المبادئ التي يجب مراعاتها من طرف المصطلحاتيّ، ويعمل أيضا على مَعْجَمَة (Lexicalisation) المصطلحات وتقييسها(Normalisation) لإخراجها إلى مجال الاستعمال، كما أنّ من مهامه أيضا إخبار المسؤولين بحاصل السياسة اللسانية والعمل على تطبيق بنودها.

-1-5- وظائف "اللساني" في العمل المصطلحي :
يقوم "اللساني" بدور بالغ الأهمية في صكّ المصطلح السليم لغويا، كما يتجلى دوره أيضا في تدوين المصطلحيات المقيَّسة في شكل قوائم ومدونات ومعاجم وقواميس، إلا أن الحاجة إليه تتمثل أكثر في مجال المصطلحيات الخاصة منه في مجال المصطلحيات العلمية والتقنية الدقيقة التي تحتاج أساسا إلى تظافر كل من جهود العالم المختص والمصطلحيّ واللسانيّ، ومن تمّ تجلّت ضرورة تكوين لجن مشتركة من هؤلاء جميعا بغية بناء مصطلحيات دقيقة ومحكمة بالعلوم الإنسانية والتطبيقية الصورية، قابلة للتداول، والنشر، والاستساغة من قبل جميع المختصين، والمستعملين.

-6-الحدود الفاصلة بين مفهوم "المصطلحية" وبعض المفاهيم المحايثة:


-1-6-بين "المصطلحية" و"المدونة المصطلحية"(Nomenclature):

لعلّ أهمّ ما يميّز بين هذين المفهومين أن أولهما دالّ على نسق من التسميات في علم محدّد، بينما يقصد من الثاني مجرّد قائمة (أو لائحة) من أسماء الموضوعات والأشياء[16].
وبإمكان «المدوّنة» أن تصبح «مصطلحية» في حالة مراعاتها لشرط التصنيف المنهجي عند الشروع في جـرد وتدوين المفاهيم، وارتكازها على بنية التعريف.

-2-6-بين "المصطلحية" و "اللغة الواصفة" (Métalangage):

يتبين من التعريف الذي قدمته الباحثـة "جوزيت راي-ديبوف" (1978) (josette Rey-Debove) (حين تعتبر أنَّ « اللغة الواصفة هي كلام موضوعه اللغة (...) وعلى الخصوص اللغة الطبيعية »[17]) أنَّ المفهومين يلتـقيان في دلالتهما معاً على الوصف والتفسير (:الإيضاح)، ويفترقان في كون «المصطلحية» أشمل موضوعا، حين تضمّ الوقائع والممارسات غير اللغوية، كما أنها أشمل من الناحية المفهومية، بحيث يصحّ تسميتها "لغة اللغة الواصفة" (méta-métalangage)[18].ويجدر بالمرء التساؤل عن العلاقة الوثيقة بين اللغة الواصفة واللغة العلمية.

-3-6-بين "المصطلحية" و "التسمية" (Dénomination):

قد يلتبس المفهومان عند بعض الباحثين من حيث أن كلا من المصطلحية والتسمية تهتمّ بتعيين المفهوم في شكل مصطلح، إلا أن الفرق بينهما جليّ، كما سنوضّح من خلال تقديم أوجه التعريفات التي قدّمت للتسمية.
والواضح أن المفهوم الأخير عرف عدة تحديدات في اللسانيات، وذلـك بحسب النظريات واللسانيين الذين تعرضوا له بالدرس والتحليل.
* فهناك صنف من التعريفات العامة التي اعتبرت "التسمية" تلك العلاقة التي تربط بين وحدة لغوية ووحدة فكرية.
* وقارنت تعريفات أخرى (أقلّ تعميما) هذا المفهوم بالرباط القائم بين: وحدة رمزية، وحدة معجمية، ومرجعها الذي يحيل إليها.
* على أن هناك بعض التحديدات الخاصة والدقيقة التي حصرت معنى "التسمية" في العلاقة التعيينية القائمة بين المقولة النحوية (وهي في أغلب الحالات تكون اسما) والصنف أو المقولة المرجعية المطابقة لها[19].
ويتمّ التمييز عادة بين نمطين من أنماط التسمية:
- التسمية الطبيعية في اللغة العامة.
- والتسمية الواصفة (أو الاصطلاحية) في اللغات الخاصة.
ويتبين انطلاقا من هاته التحديدات المختلفة أن "التسمية" لا تعدو أن تكون إجراء مرحليا من إجراءات عدة تشملها "المصطلحية".


-7-الحدود القائمة بين علم "المصطلحية" وبعض العلوم المجاورة:



-1-7-بين " المصطلحية" و" اللسانيات":

تبرز العلاقة الوثقى بين "المصطلحية" و"اللسانيات" في الارتباط القائم بين اللغات التقنية واللغة العامة. ولقد ظلت "المصطلحية" لعقود عدّة (ولا زالت لحدّ اليوم) تحسب في بعض الأحيان جنينا فرعيا للسانيات التطبيقية، سواء من طرف بعض اللسانيين أو من قبل بعض المصطلحيين، ونحن بالرغم من دعوتـنا إلى ضرورة الفصل بينهما؛ لا ننكر فضل الدراسات اللسانية في ازدهار المصطلحية والرقيّ بها إلى مصافّ العلوم الدقيقة بإطلاق. وهكذا تسنى للمصطلحية أن تلتحق بركب التطور الفكري والحضاري دون اقترانها ضرورة بمجموعة لغوية دون أخرى.
ويمكن أن نميّز بين طائفتين من الباحثين مِمَّن عالجوا مسألة طبيعة التداخل بين موضوعات العلمين:
-الطائفة الأولى: اكتفت بتحديد نمط العلاقة القائمة بين "المصطلحية" و"اللسانيات"، هل هي علاقة تبعية أحدهما للآخر؟ أم أن كلّ علمٍ قائمٌ بذاته (من حيث موضوعه ومناهجه وأهدافه)؟
ونجد ضمن هاته الطائفة زمرة من الباحثين انبروا لاعتبار المصطلحات "لكسيمات" أو وحدات معجمية خاصة من مفردات اللغـة (انظر: فيلبر(1986)-عصام عمران (1993)..).
وذهبت مجموعة أخرى من الباحثين إلى القول باستقلالية "المصطلحية" كمنظومة فكرية متعددة المشارب الثقافية لا تقتصر على "علم اللسانيات" لوحده، بل هي حقل تجتاز حدوده أيضا علوم شتى ك"المنطق"، و"علم المعلومات"، و"علم الوجود"، ومختلف الحقول المعرفية التي تُكوِّن موضوع المصطلحية المدروسة (انظر: علي القاسمي (1985)).
- الطائفة الثانية : سلَّمت بتفرّع "المصطلحية" عن "العلم اللساني"، وشرعت في مدارسة أيّ الفروع اللسانية أكثر تعلُّقا بالمصطلحية، هل اشتقّ العلم الحديث عن:
- المعجميّة (La Lexicologie)[20]
- أو المعجماتية (La lexicographie)[21]
- أو الدلالية (La sémantique)[22]
ولعلّ التسليم بانبثاق علم المصطلحية عن العلم اللساني يستوجب اتفاقهما في المناهج والمنطلقات والأهداف، غير أننا نجد بين العلمين اختلافات عدة، نكتفي بسرد البعض منها، وأجدرها بالذكر:
* انطلاق المصطلحية من المفاهيم لوضع المصطلحات (:التسميات)؛ في حين تنطلق اللسانيات من البنيات اللغوية لدراستها في مستوياتها المتعددة.
* تقوم المصطلحية بجرد المصطلحات بصيغها الصرفية المختلفة (كلمات- مركبات- رموز ..) وتعمل على دراستها؛ بينما تشمل الدراسة اللسانية إضافة إلى الكلمات: الجملَ والأصواتَ (فونيمات- ألوفونات)، وتنكبّ على دراسة الخطاب في مجمله .
* ظهرت اللسانيات الحديثة لتدرس اللغة لذاتها ومن أجل ذاتها حسب التعبير السوسيري، ونجد مقابل ذلك أنّ المصطلحية تستهدف بالدرجة الأولى تكوين المصطلحات وتنسيقها وتوحيدها وتوثيق مظانّها.
* تلجأ المصطلحية إلى المعيارية إضافة إلى الوصفية عند إرادة تقنين الاستعمال المصطلحي، وترفض اللسانيات المعاصرة النهج المعياري (باستثناء الأنحاء القديمة التي تنحو هذا المنحى في تصنيف متون اللغات الحية).
* تهدف المصطلحية (مِمَّا تهدف إليه) إلى تطوير مصطلحيات العلوم والفنون والتقنيات، وتكتفي اللسانيات بوصف الواقع اللغوي وتقنينه.
* تهتمّ المصطلحية بالأشكال المكتوبة سواء كانت مصطلحات أو رسوما، بينما تتناول اللسانيات المكتوب والمنطوق.
* علاقة المصطلحية بالعلوم المحايِثة ("المنطق"- "علم الوجود"- "علم المعلومات"- إضافة إلى مختلف التخصصات العلمية التي تكوِّن الرصيد الاصطلاحي) أشمل من علاقة اللسانيات بالعلوم المؤثرة في بنيانها المعرفية (كـ"علم النفس"- و"علم الاجتماع"- و"التشريح"(..)) [23].
والواضح أن اللسانيات شكّلت أداة مهمة من أدوات الدرس المصطلحي، فـ « استعمال المعرفة اللسانية أمر ضروري لبلوغ جودة تكوين المصطلح ومقبوليته»[24]. ونجد لتناول القضايا اللسانية للمصطلح والمصطلحية تأثيرا إيجابيا على موضوعات أخرى كالتوثيق، والتخطيط اللغوي، وهندسة المعارف، والمعجماتية، وتعليم اللغات، والترجمة[25].

-2-7-بين "المصطلحية" و "علم الترجمة":

يتحدّد المفهوم العامّ للترجمة في نقل نصّ أو مصطلح علمي من لغة الأصل (أو المنطلق) إلى ما يقابلهما في اللغة الهدف.
ويتركّز نشاط الترجمة أساسا في ترجمة النصوص الأدبية والعلمية، التقنية، والإدارية.. كما يهتمّ المترجمون بخاصيات اللغات واستعمالاتها في عصر الكاتب الذي يترجمون له، أو باستعمال لغوي خاص لهذا الكاتب، مع مقابلتها بألفاظ اللغة الهدف لتطابق مفاهيم النص أو المتن المترجم. ولعلّ أبرز الإشكالات التي يواجهها جمهور المترجمين هي إشكالات الدلالة المعجمية، وهي ذات طبيعة لسانية- مصطلحية، ويتوجّب على المختصين في الترجمة ضبط الأنساق المفهومية والاصطلاحات المطابقة لها أكثر من الكتّاب أنفسهم، ولا مفرّ بغية تحقيق هذا الهدف من لجوئهم إلى المعاجم والقواميس والمدونات الاصطلاحية، واستعانتهم أيضا بالملفات المحوسبة(:البنوك المصطلحية). ومن مصاعب الترجمة أيضا ذلك التـفاوت الموجود بين اللغات في بنياتها الصرفية والتركيبية والأسلوبية ..
وإذا ما حاول الدارس تلمّس أوجه التداخل بين "المصطلحية" و"الترجمة" استطاع أن يقف أولا:
- على اشتراك الأعمال المصطلحية والترجمية[26]في خاصية العراقة؛ فهي قديمة قدم الثقافة الإنسانية، إلا أن التنظير لمبادئهما، وتأسيس أركان العلمين باعتبار كلّ منهما علما مستقلا لم يتبلور إلاّ أواسط القرن العشرين.
- و تشابك الحقلين في الوظيفة، والموضوع، والأدوات الإجرائية[27].
- وإمكانية قيام المصطلحي بدور المترجم بالدول النامية المستهلكة للنتاجات المعرفية والحضارية الحديثة، نتيجة تعامله في أغلب الحالات مع اللغات الأجنبية الحاملة للثقافة الوافدة.
- إضافة إلى إمكانية قيام المترجم (والترجمان على الخصوص) بدور المصطلحي حين تضطره القيود الزمنية إلى وضع المصطلح الجديد.
والواضح أن لا مجال لالتباس مفهوم المصطلحية بعلم الترجمة، ذلك أن المفهوم الأول أشمل نظرا لعدم الاقتصار على الترجمة فقط في وضع المصطلح (المعتمدة على الاشتقاق أو النقل الدلالي أو النحت، وغيرها من وسائل الوضع)؛ بل يُلجأ في صياغته أيضا إلى وسائل شتى، من مثل: التدخيل، والتعريب، كما نعاين أهدافا أخرى للمصطلحية عدا الوضع المصطلحي، تتمثل في الجرد، والتوثيق، والتقييس[28].
ونسجل بمرارة في هذا الصدد تردّي سياسات وزارات التعليم العالي بالأقطار العربية التي لا تعير اهتماما كبيرا لهذين التخصصين المعرفيين المستقلّين، بحيث تدرّسا كمادتين ثانويتين بالعديد من الشعب.
والواقع أن المصطلحية بمثابة خزان للمواد التي تحتاجها الترجمة خصوصا إذا تمَّ التمييز بين المعجمية والمصطلحية، وإذا نظر إلى المصطلح في بعده التواصلي، وفي علاقته بالتوثيق.


-3-7-بين "المصطلحية" و "علم التوثيق":

يطلق لفظ "التوثيق" للدلالة في لغة العرب على الإحكام، فقد جاء في مقاييس ابن فارس: « الواو والتاء والقاف، كلمة تدلّ على عقد وإحكام، ووثقت الشيء: أحكمته[29]»، ولا تنشز الدلالة الاصطلاحية للكلمة عما أورده ابن فارس في معجمه اللغوي، فللتوثيق اصطلاحا معنيان:
« قـديم : ويراد به القيام بما يجعل الشيء موثوقا به.
وحديث: ويراد به تجميع المعلومات المتعلقة بوثيقة ما، وتنظيمها تنظيما يسهل الرجوع إلى الوثيقة والاستفادة منها »[30].
وتعدّ اهتمامات علماء التوثيق (Les Documentalistes) أكثر تخصّصا من أهداف المترجمين وأقلّ اصطلاحية منعمل هؤلاء، وتنقسم عمليات التوثيق المصطلحي من حيث الوسيلة المعتمدة عموما إلى ثلاثة أنواع:
أ- التوثيق المصطلحي اليدوي، ويتمّ باعتماد الجذاذات أو البطاقات التقنية، وهي سنّـة نهجها الأقدمون، حيث كانوا يدوّنون ويوثقون نصوصهم على أوراق أطلِقت عليها عدة تسميات، منها "القراطيس والدروج".
ب-التوثيق المصطلحي الميكانيكي (أو الفوتوغرافي) باستخدام الميكروفيلم أو الميكروفيش.
ج-التوثيـق المصطلحي الإلكتروني باستعمال الحاسوب في إنـشاء بنوك المصطلحات[31] .
ولا ريب أن عملية توثيق المصطلحات النحوية العربية القديمة ستفضي إلى: تحديدها بشكل دقيق جامع ومانع، وحصر حقبها التاريخية التي تبلورت فيها، مع ذكر للنحاة الذين عملوا على صياغتها واستعملوها في متونهم العلمية، كما تخصّ عملية توثيق هاته المنظومة الاصطلاحية التحضير لبيبليوغرافيا المصنفات النحوية التراثية، والتمييز بين التسميات المتنوعة التي أطلِقت على المدلول النحوي، وشرح السمات الدالة للمصطلح، والفصل بين مضامينه المختلفة باختلاف مستعمليه من النحاة.
وسيمكِّن هذا العمل التوثيقي من تـزويد الباحث بكل المعلومات الخاصة بالمفهوم الذي ينعته المصطلح النحوي، كما سيُوَفِر للمتلقي كل التراكيب والسياقات التي استعمل فيها المصطلح من قبل النحاة واللغويين.


-4-7-بين "المصطلحية" و "علم التقييس":

يرتبط "علم التقييس" (La normalisation) بالمصطلحية أيضا، ويتحدد بكونه: «اعتماد قواعد معينة لانتقاء المصطلحات وتوليدها وترجمتها»[32]، كما تُعتمَد هذه القواعد أيضا في تنميط مبـادئ "المصطلحية" ومناهجها العلمية[33]. ويهدف علماء التقييس (Les normalisateurs) إلى جعل أصناف الأشياء التي تحيل إليها المفاهيم أكثر تماسكا، ويعتمدون في وصفها معايير كمية وقياسات نادرا ما تتوفر بالمصطلحية المدروسة، لذلك فهم مضطرون أحيانا إلى اقتراح اصطلاحات جديدة أو إلى الاختيار بين عدّة مصطلحات مستعملة للدلالة على المفهوم الواحد.
وتستوجب عملية التقييس معرفة تامة وشاملة (قدر الإمكان) بالمصطلحيات المستعملة كي يُتمَكّن من تقييسها، وتعتمد كثيرا على بنية التعريف. فالتعريف يساهم في تنميط المصطلحات بضبط دلالاتها وحصر سماتها.
ومن أكبر تحدّيات "علم التقييس": التطور غير المنقطع للتمثيلات المفهومية، مع حفاظها على دلالاتها القديمة في الكثير من المقامات، مما يقتضي اعتماد التعريفات بشكل دائم في العلوم التي تشهد مثل هذا التطور.
وتشكّل ظاهرة "المفاهيم الرحّالة" (Les Concepts Nomades) نمطا آخر من المصاعب التي يواجهها هذا العلم، فقد يُستعمل المفهوم في أكثر من علم، ويحمل دلالة مستقلة ومتميزة عند كل استعمال.
ولا يمكن تصوّر أي عمل مصطلحي بدون تقييس لرصيده الاصطلاحي، خصوصا وأننا نشهد تطورا للعلوم والتقنيات لا مثيل له، ممّا يقتضي ضرورة الاتفاق على الاستعمال الموحّد لملايين المفاهيم المستحدثة في التخصصات الدقيقة، من حيث تسمياتها وتعريفاتها. ويشمل التقييس الاستعمال اللغوي، والصياغة النظرية، والممارسة التطبيقية في مجال التكنولوجيا.
وقد برزت ضرورة تقييس مفاهيم العلوم والتقنيات والمهن، منذ العقد الثالث من القرن العشرين[34]، أي قبل استقلال المصطلحية كعلـم قائم الذات. واهتمّ بعمليات التقييس كلّ من الأفراد (كـ: إرنست دريسين (ErnestDresen) في الاتحاد السوفياتي (سابقا)، وإيمانويل فوستر(E.Wuster) بالنمسا) والمؤسسات (كاللجنة الدولية للإلكترونيات التقنية، ولجنة تعديل مـدونة الكيمياء العضوية، وذلك قبل ظهور المنظمة الدولية للتقييس (ISO)).
وقد أصدرت اللجنة رقم "37") وهي لجنة من لجان منظمة "إيزو" اختصت بالمجال المصطلحي) العديد من المواصفات تخص موضوعات: "المصطلحية"، و"المصطلحاتية"، و"مبادئ التسمية"، و"التوحيد المصطلحي"، وقامت بمراجعتها وتطويرها سنة 1979.
وعلى إثر نشأة علم المصطلحية، والنضج الذي ميزه على المستويين التنظيري والتطبيقي، ونتيجة لاستهدافه بالدرجة الأولى كل ما من شأنه تنميط الجهاز المفاهيمي للعلوم والتقنيات والمهن[35]؛ أصبح هدف "علماء التقييس" تيسير نقـل المعارف العلمية والتقنية بين اللغات المختلفة، وتوحيد مفاهيمها، واهتمت المصطلحية بتعزيز أشكال التواصل بين المختصين في المجال المعرفي الواحد، سواء كانوا يستعملون نفس اللغة، أو عدة لغات مختلفة، وقرّبت بين مفهوم التقييس ومفهوم المعيارية، فلم يعد ينظر إلى تعدد أسماء السيف والحية والجمل (..) نظرة إيجاب، كما كان الحال عليه في تراث الجاهلية وفي العصور الوسطى.
وتظهر الحاجة إلى "التـقييس" في العلوم الإنسانية والاجتماعية والقانونية أكثر منها في العلوم الصورية التي تنتِج مفاهيم مقَيَّسة في أغلب الحالات.
ويتمّ التمييز عادة بين نمطين من أنماط التقييس:
- تقييس مجال معرفي محدد، وذلك بوضع أقانيمه وحدوده التي تفصله عن باقي المجالات المعرفية المتاخمة له (كما هو الشأن عند تقـييسنا لعلم المصطلحية في الفصل الأول من هذا البحث).
- تقييس المفاهيم الأساسية الموظّفة في كلِّ علم أو فنّ أو تقنية، نتيجة خضوع هاته المفاهيم لتطورات عديدة عبر سيرورتها التاريخية، واستعمالاتها المختلفة باختلاف الاتجاهات الفكرية المستعمِلة لها[36].
وتباينت درجات الحاجة إلى التقييس بحسب طبيعة اللغات، أهي لغة مصدر (منتجة للمفاهيم المستحدثة، كاللغة الأنجليزية) أم لغة هدف (مستهلِكة للمنتَج من المفاهيم والتصورات عن طريق محاولة تأصيلها وإخضاعها لنسق اللغة المستقبِلَة، كاللغات العربية والسينغالية والفيتنامية، أو غيرها من اللغات). وغالبا ما تتغلّب المجموعة الثانية من اللغات على كثرة الوافد من المفاهيم والمصطلحات التي تدلّ عليها باللجوء إلى أسلوب الاقتراض كوسيلة تقييسية مؤقتة.
والصلة وطيدة بين "التقييس" من جهة ونظريات المعرفة واللسانيات الاجتماعية من جهة أخرى، كما يرتبط أيضا هذا العلم بالترجمة والمعجماتية (Lexicographie).
ونشير في هذا المقام إلى أننا نعتبر تدوين معجم المعاجم اللسانية (والذي شرعنا في تصنيفه، ويضم عشرة معاجم لسانية ثنائية ومتعددة اللغات) مرحلة من مراحل تـقييس المصطلح اللساني العربي تعقبها مرحلة توزيعه على أهل الاختصاص، لتليهما مرحلة أخيرة تخصّ انتـقاء أحقّ مداخله المترادفة بالاستعمال.






[1]- الشاهد البوشيخي(1995): مصطلحات نقدية وبلاغية في كتاب البيان والتبيّن (مقدمة الطبعة الثانية- دار القلم بالكويت ص1).
وقد عرض الباحث لأولوية التفقه في المنهج بندوة "المصطلح النقدي وعلاقته بمختلف العلوم" التي احتضنتها رحاب كلية الآداب – ظهر المهراز بفاس سنة 1986 – انظر: "مشكلة المنهج في دراسة مصطلح النقد العربي القديم" مجلة كلية الآداب بفاس –عدد خاص 1988 - 4.

[2]-تراجع دلالة الموادّ: "نهج"، "منهج" و"منهاج" في المعاجم التالية: لسان العربمقاييس اللغة- أساس البلاغة. وبنفس المعنى اللغوي المشار إليه أعلاه جاء قوله عز وجل((لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا)).
الراغب الأصفهاني: معجم مفردات ألفاظ القرآن – تحقيق نديم مرعشلي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع – بيروت، لبنان. ص:528.
ويرى الدارس "الشاهد البوشيخي"(2002) أن « للمنهج في الدراسة المصطلحية مفهومان: عام وخاص.
فالمنهج بالمفهوم العام، هو طريقة البحث المهيمنة المؤطرة للمجهود البحثي المصطلحي كله، القائمة على رؤية معينة في التحليل والتعليل والهدف. وهذا الذي يوصف بالوصفي أو التاريخي أو ما أشبه، تميزا له عن غيره.
والمنهج بالمفهوم الخاص، هو طريقة البحث المفصلة المطبقة على كل مصطلح من المصطلحات المدروسة في إطار منهج من مناهج الدراسة المصطلحية بالمفهوم العام. وهذا الذي يمكن تلخيص معالمه الكبرى بإيجاز شديد، منذ الشروع فيه حتى الفراغ منه، في خمسة أركان: الإحصاء- الدراسة المعجمية- الدراسة النصية- الدراسة المفهومية– العرض المصطلحي (ويتضمن: التعريف/ الصفات/ العلاقات/ الضمائم/ المشتقات/ القضايا) ».
الشاهد البوشيخي(2002): مشروع المعجم التاريخي للمصطلحات العلمية- الطبعة الأولى –انفو برنت- فاس- صص29-37.

[3]- عبد الرحمن بدوي (1977): مناهج البحث العلمي- الطبعة الثالثة –نشر وكالة المطبوعات بالكويت – ص: 5.

[4]- أحمد بدر (1984): أصول البحث العلمي ومناهجه- الطبعة الرابعة: نشر وكالة المطبوعات بالكويت– توزيع دار القلم غريب- يروت- لبنان: ص:184.

[5]- انظر بهذا الصدد:
-أحمد بدر (1984): نفس المرجع – صص:247-227.
- محمد زيان عمر (1981): البحث العلمي مناهجه وتقنياته- دار الشروق، جدة-صص335-317.
- رشدي فكار (1983): في المنهجية والحوار- الطبعة الثانية– مطبعة أكدال- الرباط- ص:92.

[6]- الشاهد البوشيخي (1993-ب-): مصطلحات النقد العربي، صص29-30.

[7]-خالداليعبودي (2004): آليات توليد المصطلح ومعالم مصطلحية العربية (مصطلحية المعاجم اللسانية الثنائية والمتعددة اللغات نموذجا)- أطروحة لنيل دكتوراه الدولة- تخصص "لسانيات العربية" – (قيد الطبع).

[8]- رشدي فكار (1983): صص23-24.

[9]- ويتصور الباحث الشاهد البوشيخي (2002) المعجم التاريخي للمصطلحات العلمية في العربية عبارة عن عمل علمي جامع « لكل الألفاظ التي تسمي مفاهيم، في أي علم، مرتبة المباني ترتيبا معجميا، لتيسير الوصول إليها، معروضة المعاني عرضا تاريخيا، لرصد التطور الدلالي والاستعمالي الذي طرأ عليها، منذ ولادتها حتى آخر استعمال لها »– نفس المرجع – ص7.

[10]-الشاهد البوشيخي(1993-ب-): صص27-28.

[11]- ولعلّ تمييز "الزبيدي" بين العامة العليا والعامة السفلى يبرر ضرورة استثمار هذا التراث المهمل في رفوف المكتبات العربية، ويتبين هذا الفصل في قوله:
« والعامة ليسوا الدهماء وخشارة الناس؛ لأن المقصود هو العامة العليا أو الأولى، أما العامة السفلى فقد أعرض عنهم المصنفون لأن أخطاءهم مما لا يعزب عمَّن تمسَّك بطرف من الفهم والعلم ».
الزبيدي (1964): لحن العوام – تحقيق: رمضان عبد التواب– مكتبة دار العروبة – القاهرة–صص8-7.

[12]- الشاهد البوشيخي (1993-ب-): ص12.

[13]-انظر بخصوص تجليات هذا المنهج التكاملي: دراسة "الشاهد البوشيخي" (1995) الذي يعتمد منهجا قائما « بذاته في الدرس؛ يعتمد "العلمية" بشروطها في الوسائل، من الاستيعاب إلى التحليل فالتعليل فالتركيب. ويعتمد "التكاملية" حسب أولوياتها في المراحل من الوصفية إلى التاريخية فالموازنة فالمقارنة، ويمكن تطبيقه بحسب الظاهر على كل مصطلحات العلوم في كل التخصصات ».(ن-م-ص: 2).

[14]- ولم نعرض في هذا الموضع للمنهج المعياري الذي يمكن أن يعتمد في تشييد المعجم الأساسي، نظرا لاتصاله بتشييد المعاجم اللغوية العامة. كما لم نعرض كذلك للمنهج المقارن في المصطلحية المفـيد في المقابلة بين منظومات مصطلحيةفي مجال معرفي واحد (أو في مجالات معرفية مختلفة) تنتمي إلى لغتين أو لغات متعددة.

[15]Teresa Cabré (1991) : Idem- p 60.

[16]-Reformatsky (1961) , "Cto Takoje Termin i Terminologija"( Qu ‘est –ce qu’un terme et qu’une terminologie) in: (Voprosy terminologiji –Moscou )
- Rey (Alain), (1979), ibid.
وعلى الرغم من أن تعريف "ديبوا وآخ" (1973) للمصطلحية يقرب معناه من معنى تحديده للمدونة (فقد عرف المصطلحية بأنها مجموع مصطلحات متن ما، وحدد مفهوم المدونة بأنها مجموعة أسماء تطلق بشكل نسقي على الموضوعات المرتبطة بمجال علمي محدد، فنتحدث مثلا عن مدونة أسماء قطع الغيار للسـيارة)؛ فإنه مع ذلك يدعـو للتمييز بين المفاهـيم :"Nomenclature"، "Terminologie"،"Lexique"،"Vocabulaire"وعدم الخلط بينها. (انظر المدخل"Nomenclature" في معجم ديبوا وآخ . (1973)).

[17]-Rey –Debove (j) (1978), Le métalangage- Armand colin / Masson- paris-éd, 1997, p :8-9.

[18]- انظر التمييز الذي وضعته الباحثة"المعجمية" "ري ديبوف" (1978) (Rey Debove-j-)بين ثلاثمستويات لغوية: 1- اللغة(Langage)/2-اللغة الواصفة (Métalangage)/ -3لغة اللغة الواصفة (Méta-métalangage).نفس المرجع السابق.
على أن هناك من فصل بين ثلاثية وصفية أخرى هي:1- اللسان الواصف (Métalangue)/–2-اللغة الواصفة ( Métalangage)3/- الخطاب الواصف ( Métadiscours). انظر:
- Jean- Pierre Leduc-Adine(1980)," De La Terminologie Grammaticale : Quelques problèmes théoriques et pratiques", Revue Langue Française n° 47- Larousse. pp :7-24.

[19]-Kleiber(Georges) (1984), "Dénomination et Relation Dénominatives" – Langages – Décembre- N°:76– Larousse –p : 77.

[20]- ذهب الكثير من الباحثين إلى تصوّر المصطلحية عبارة عن "معجمية تقنية" أو "معجمية متخصصة" أو "معجمية خاصة" والمصطلحات الثلاثة الأخيرة دالـة على تلك الدراسات المتخصصة في معجمية المصطلحات العلمية والفنية والتقنية والتي تقابل "المعجمية العامة"، إلا أن ما يميّز أساسا "المصطلحية" عن "المعجمية الخاصة" أن رصيد المداخل ب"المعجمية الخاصة" لا يضمّ سوى المفاهيم العلمية والفنية الأساسية، على أن "المنظومة المصطلحية" تعمل جاهدة على تدوين المفاهيم العلمية والفنية والتقنية الجوهرية، والتعابير والصيغ المتعلّقة بها. انظر:
Marc Van Campenhoudt (2001), "Pour une approche Sémantique du terme et de ses équivalents"- in : International journal of Lexicography,XIV,3,septembre, Oxford University Press.(Version électronique).
وقد نجد بعض المعاجم اللغوية تستغني مطلقاً عن إيراد مصطلحات العلوم والفنون باعتبار استحالة حصرها في المعجم العامّ (انظر نهج أحمد الطيب الشرقي الفاسي). مثال ذلك أن مصطلحات: "فعل –اسم- حرف – أداة – ظرف " توجد حتما بالمعجم اللغوي لكونها مفاهيم أساسية في علم اللسانيات، غير أن مصطلحات أخرى تقنية كـ:" الاشتغال– التنازع –الاختصاص– التنبيه.." لا تدوّن بالمعاجم اللغوية بدلالاتها الاصطلاحية، بينما تحرص المصطلحية على تدوين الرصيد الاصطلاحي لعلم من العلوم أو فنّ من الفنون أو مهنة من المهن في مستوييها الوظيفي والتقني بمداخلها الرئيسية والثانوية على السواء.

[21]- يرى الباحث "جواد حسني سماعنه"(1999) أن المعجمية المختصة في العصر الحديث هي القرين التطبيقي العملي للمصطلحية العامة.

[22]- انظر استعراضا لهاته التيارات عند: عثمان بن طالب (1989): "علم المصطلح بين المعجمية وعلم الدلالة(الإشكالات النظرية والمنهجية)"- ضمن كتاب: تأسيس القضية الاصطلاحية- تأليف مجموعة من الباحثين –الطبعة الأولى: الدار العربية للكتاب.صص: 97-69.
وبخصوص علاقة كل من "الدلالية" (La sémantique) والتصورية (Conceptology) والأونومازيزلزجية (onomasiology) والسيمازيولوجية (Sémasiology) بالمصطلحية؛ انظر:
-Nedobity (Wolfgang) (1983), Conceptology and Semantics A Comparaison of Their methods and examination of their applicability in Terminology . WIEN- INFOTERM (I-83)

[23]- انظر عرض فهمي حجازي (1993) المفصّل لأوجه التشابه والاختلاف بين المصطلحية واللسانيات، والواقع أنه لم يدخل في اعتباره "المصطلحاتية"، وإلا وردت مقارناته على منوال آخر.
محمود فهمي حجازي (1993): الأسس اللغوية لعلم المصطلح، مكتبة غريب، الفجالة، القاهرة، الطبعة الأولى.

[24]- Pavel (S) (1993) , "Neology and Phraseology as Terminology"- in : The Making in Terminology, Application in Interdisciplinary communication- Benjamins Puplishing company – Amsterdam- Philadelphia.

[25]-Lerat (Pierre) (1995), Les langues spécialiséés, PUF, Paris.

[26]- ومما يشير إلى هذا القِِِِِِِِدَم وجود معاجم ثنائية اللغة بالتراث البابلي بالعراق يعود تاريخها إلى أزيد من ثلاثة آلاف سنة.. انظر :
- Hay Wood (John)(1960), Arabic Lexicography (Leiden: E.j. Brill ) p : 5.

[27]- إذ يهدفان معا إلى وضع وحدات لغوية جديدة أو مقتبسة من التراث، كما أن موضوعهما يتحدد في نسق اللغة ولا يتعداه إلى باقي الأنساق التواصلية الأخرى (الموجودة مثلا بالسيميائيات)، ويستخدمان أداة إجرائية واحدة هي اللغة ذاتها(سواء لغة محددة أو عدة لغات).

[28]-فإذا كانت وظائف "المصطلحي" تشمل مما تشمله:"جمع وتسجيل المصطلحات المخصصة للتصورات في الحقول المعرفية الخاصة/وصف التصورات وذلك بشرحها أو تعريفها أو تقييس التعاريـف/اتباع المبادئ المصطلحيـة (Terminological) ومبـادئ التدويـن المصطـلحي ((Terminographical[ أي المصطلحاتية وهي التسمية التي اعتمدتها في هذه الدراسة]) (:تسجيل ومعالجة البيانات المصطلحية على أساس من البحث في التصورات)/ضبط المصطلحات والعمل على مواءمتها في الحقول المعرفية المستقرة/ وضع مصطلحات (Terminologies) الحقول المعرفية الجديدة".[حلمي هليل .محمد(1992): "المترجِم العربي والمصطلح الفني": ندوة الترجمة والتنمية الثقافية – الهيئة المصرية العامة للكتاب، صص:59-60]؛ فإن المترجِم يقوم هو أيضا بكلّ هذه المهامّ سوى ما تعلق منها بالخطوة الأخيرة الخاصة ببناء المعاجم الاصطلاحية وإن كان يساهم بدوره في وضع المصطلح الفني والعلمي خصوصا حينما يتعلق الأمر بمفهوم مستحدث.

[29]- أحمد بن فارس (1366هـ): معجم مقاييس اللغة- تحقيق عبد السلام هارون- القاهرة–ج6/85.

[30]-الشاهد البوشيخي (1993–ب-): ص: 39.

[31]-انظر: القاسمي علي (1985): مقدمة في علم المصطلح- ص 41 .

[32]-Christian. Galnski : ISO/ TC 37.

[33]-وإذ حدد رائد المصطلحية النمساوية "هلموت فيلبر"(H. FELBER)(1987) ركنين أساسيين للتقييس في مجال المصطلحية: (يتمثل أولهما في العمل على تقييس مبادئ الوضع المصطلحي ومناهجه المختلفة إلى حدّ التضارب بما فيها مناهج بناء المعاجم المختصة والبنوك الاصطلاحية، ويستعمل مصطلحي "Standardisation(:التقييس)، "Normalisation" (:التنميط) للدلالة على هذا المنحى. ويرتبط الركن الثاني بالشروع في تقيـيس المنظومات المصطلحية ووحداتـها الاصطلاحية، موظفا مفهوم "Unification" (:التوحيد) للتعبير عن هذه المرحلة من مراحل التقييس)؛ نجد المؤسسات العربية العاملة في الحقل المصطلحي تحاول جاهدة على تحقيق الركن الأول قصد تيسير مهمة إنجاز الركن الثاني، لذلك فليس من الغريب أن نشهد تعدد اللقاءات العلمية بين المهتمين بالشأن المصطلحي في العالم العربي من أجل توحيد منهجيات الوضع المصطلحي وما فتئ المصطلح العلمي في حالته المتردية يشكو من الاضطراب والتعددية.

[34]-Auger.p (1980), "La Normalisation Terminologique et Le Role du Spécialiste" – Actes du 3 colloque OLF-STQ –Le Rôle du Spécialiste dans Les travaux de Terminologie –Québec – office de La Langue Française – p : 146.

[35]-Teresa Cabré (1994), "Terminologie et Dictionnaires"Meta –Vol :39-n°4 –Decembre, p : 596.

[36]-انظر : - Teresa Cabré (1991), Idem. p:61
رد باقتباس
رد

أدوات الموضوع
أنماط العرض

قواعد المشاركة
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is تعمل
رموز لغة HTML لا تعمل

الانتقال إلى


مواقيت المنتدى كلها بتوقيت جرينتش. الساعة الآن 00:37.




جميع الحقوق محفوظة 2014© جمعية الترجمة العربية وحوار الثقافات (عتيدة)
تصميم الموقع وإدارته: فريق عتيدة للتصميم التابع للجمعية
محتويات الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الجمعية
Powered by vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.