يقول الإمام الشاطبي -رحمه الله- : « وربما يظن من لم يطلع على مقاصد النحويين
أن قولهم :
شاذ أو لا يقاس عليه أو بعيد في النظر القياسي أو ما أشبه ذلك ضعيف في نفسه وغير فصيح, وقد يقع
مثل ذلك في القرآن فيقومون بالتشنيع على قائل ذلك, وهم أولى لعمر الله أن يشنّع عليهم, ويمال نحوهم بالتجهيل والتقبيح, فإن النحويين إنما قالوا ذلك لأنهم لما استقرءوا كلام العرب ليقيموا منه قوانين يحذى حذوها وجدوه على قسمين : قسم سهل عليهم فيه وجه القياس ولم يعارضه معارض لشياعه في الاستعمال, وكثرة النظائر فيه فأعملوه بإطلاق علماً بأن العرب كانت تفعل ذلك في قياسه.
وقسم لم يظهر لهم في وجه قياس أو عارضه معارض لقلته وكثرة ما خالفه, فهنا قالوا: إنه شاذ أو موقوف على السماع أو نحو ذلك , بمعنى أننا نتبع كلام العرب فيما تكلموا به من ذلك, ولا نقيس غيره عليه, لا لأنه غير فصيح بل لأنا نعلم أنها لم تقصد في ذلك القليل أن يقاس عليه أو يغلب الظن ذلك, وترى المعارض له أقوى وأشهر وأكثر في الاستعمال, هذا الذي يعنون لا أنهم يرمون الكلام العربي بالتضعيف والتهجين حاش لله, وهم الذين قاموا بفرض الذب عن ألفاظ الكتاب, وعبارات الشريعة, وكلام نبينا محمد-صلى الله عليه وسلم-فهم أشدّ توقيراً لكلام العرب وأشد احتياطاً عليه ممن يغمز عليهم بما هم منه براء اللهم إلا أن يكون في العرب من بعد عن جمهرتهم, وباين بحبوحة أوطانهم, وقارب مساكن العجم, أو ما أشبه ذلك ممن يخالف العرب في بعض كلامها وأنحاء عبارتها, فيقولون : هذه لغة ضعيفة أو ما أشبه ذلك من العبارات الدالة على مرتبة تلك اللغة في اللغات. فهذا واجب أن يعرّف به, وهو من جملة حفظ الشريعة والاحتياط لها, وإذا كان هذا قصدهم وعليه مدارهم فهم أحق أن ينسب إليهم المعرفة بكلام العرب ومراتبه في الفصاحة وما من ذلك الفصيح قياس, وما ليس بقياس , ولا تضر العبارات إذا عرف الاصطلاح فيها ... » [3/457 - 458 المقاصد الشافية ]