منتديات عتيدة  
آخر المشاركات: لمعرفة آخر مستجدات دورات عتيدة, وفاة قابرييل قارثيا ماركيث Muere Gabriel García Márquez, التخصص في المفهوم الواحد, أيها الجدد احذروا هذه المزالق ...., نص مسابقدة عتيدة لشهر نيسان 2014, معركة ضارية حول التعريب, ممكن تقييم لترجمتى؟, كيف نترجم الاقتباسات, ترجمة جملة فرنسية-انجليزية, من الإدارة إلى بعض الأعضاء - آداب السؤال ..., مراتب الشرف في بريطانيا, طلب ترجمة للتقرير, المتصاحبات اللفظية للفعل feedback, تاريخ اللغة الإنجليزية, ترجمة قول, The idiom food for thought, مترجمة جديدة في المنتدى, لُغَتهم التي يَلْغُون بها, ما هي الكلمة العربية التي تَضُمها إلى هذه اللائحة؟, كاد ويكاد ولايكاد, أبحاث مقترحة لطلبة الماجستير والدكتوراه
يمنع التسَجّل بأسماء مستعارة أو تتضمن أرقاما أو بغير اللغة العربية. يرجى قراءة شروط المشاركة بعناية
كل حساب لا يتوافق مع هذه الشروط يحذف دون الرجوع إلى صاحبه
  #1  
قديم 02/05/07, 22:50
أحمد الفقيه أحمد الفقيه est déconnecté
 
تاريخ الانضمام: 02/05/07
بلد الإقامة: السعودية
المشاركات: 65
افتراضي علماؤنا واللغات السامية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وسلم تسليما كثيرا

وبعد :

فأود أن أعرض عليكم هذه الأسئلة وأود منكم الإجابة الشافية وأخص د/عبد الرحمن السليمان حفظه الله ومن يشارك معنا ...

1-لماذا لم يستشهد علماؤنا القدامى كسيبويه والكسائي والأخفش والفراء باللغات السامية ؟ وهل يعود ذلك إلى أنهم يرون العربية أقدس وأفضل اللغات ؟

2-لو استشهد علماؤنا باللغات السامية هل سيزول الخلاف بينهم ويقل أو لو حكموا اللغات السامية بينهم هل سيزول الخلاف النحوي بين البصريين والكوفيين ؟

3-ما السبب في موافقةالمتخصيين في الساميات لأغلب آراء الكوفيين كالقول بأن ليس مركبة وأن أصل الاشتقاق هو الفعل ...؟

4-ألا ترون أن تحكيم اللغات السامية في أخواتها له أبعاد سياسية ونتائج غير مرضية من القول بعدم استقلالية نحونا وعدم منهجية علمائنا في البحث ؟

وشكرا لكم
رد باقتباس
  #2  
قديم 03/05/07, 08:16
صورة عضوية عبدالرحمن السليمان
عبدالرحمن السليمان عبدالرحمن السليمان est déconnecté
 
تاريخ الانضمام: 06/09/06
بلد الإقامة: بلجيكا
المشاركات: 496
افتراضي

أخي الفاضل الأستاذ أحمد الفقيه،

بداية أشكر حضرتك على الثقة بالعبد الفقير، وأدعو لك بالخير.

وإلى أسئلة حضرتك:

1. لماذا لم يستشهد علماؤنا القدامى كسيبويه والكسائي والأخفش والفراء باللغات السامية؟ وهل يعود ذلك إلى أنهم يرون العربية أقدس وأفضل اللغات؟

لم يستشهد علماؤنا الأوائل بالساميات لأنهم لم يكونوا على علم بها. ولو كانوا على علم بها لما تركوا فيها مجالا لقائل!

وأول عالم عربي تطرق للساميات تطرقا جديا هو الإمام الحافظ ابن حزم الأندلسي الذي أعتقد فيه أنه كان يعرف العبرية وربما طرفا من السريانية ورأيه الذي أورده كتابه الإحكام في أصول الأحكام صحيح مائة في المائة.

2. لو استشهد علماؤنا باللغات السامية هل سيزول الخلاف بينهم ويقل أو لو حكموا اللغات السامية بينهم هل سيزول الخلاف النحوي بين البصريين والكوفيين؟

ينص علم اللغة المقارن على أن القرابة اللغوية بين اللغات تكون ثابتة إذا كانت موجودة في مجالات اللغة الأربعة وهي: الأصوات، الصرف، النحو، اللغة (أي المعجم)، وإذا كانت تحكمها قوانين صوتية ثابتة ومضطردة.

الأصوات: حروف الحلق (مثل الحاء والعين الخ) موجودة في كل اللغات السامية فقط. أما الضاد فموجود في اللغات السامية الجنوبية فقط (العربية والحميرية والحبشية).

مثال: حرف التعدية في الأفعال المزيدة في العربية هو الألف (فعلَ / أفعلَ)، وفي العبرية الهاء (فعل / هفعيل) وفي السريانية والحميرية وغيرهما السين (فعلَ سَفعلَ). ونحن عندما نقابل في العربية صيغا قديمة مثل هَراقَ وسَقْلَبَ فإننا نستأنس بالساميات ونستنتج أن تلك الصيغ من بقايا عهد لغوي قديم في العربية.

ونحن عندما نعرف أن "لغة أكلوني البراغيث" هي القاعدة المضطردة في اللغات السامية نستنتج أن العربية عطلتها لالتقاء الفاعلين. هذا والأمثلة كثيرة جدا.

الصرف: جميع اللغات السامية لها جذور ثلاثية، وللإعراب فيها ثلاث حالات، وأبنية الأسماء هي هي، وللفعل زمنان ماض ومضارع الخ؛

مثال:

كل كلمة عربية على وزن فَعْل تصبح في العبرية كما يلي:
عَبْدٌ تصبح في العبرية: עֶבֶד = عِبِد (cebed).

كل كلمة عربية على وزن فِعْل تصبح في العبرية كما يلي:
سِفْرٌ تصبح في العبرية: סֵפֶר = sēfer.

كل كلمة عربية على وزن فُعْل تصبح في العبرية كما يلي:
أُذْنٌ تصبح في العبرية: אזֶן = ōzen.

تسمى هذه الأوزان الثلاثة في النحو العبري: "بنات السيغولات" (أو:nomina segolata ) كما بينت قبل ذلك، والسيغول هو الحركة الممالة إمالة سريعة نحو الكسر (وهي الـ e في ōzen).

تجمع هذه الكلمات في اللغتين جمع تكسير على /فِعال/ (مثل كَلْب كِلاب). إلا أن العبرية نَظَّمت جمع التكسير وجعلته مطرداً فيها بإضافة لاحقة جمع المذكر السالم: "ـِيم = ים".

ومثل هذه القاعدة كثير وينطبق على جميع اللغات السامية.

النحو: بناء الجملة والقواعد متشابه جدا؛

بناء الجملة هو هو من حيث الجمل الفعلية والاسمية إلا أن بناء الجملة في العربية تطور كثيرا قبل الإسلام وبعده.

اللغة: ثلاثة أرباع الجذور مشتركة.

وأنصح حضرتك وسائر المهتمين بهذا الموضوع بزيارة الرابطين التاليين ففيهما تمثيل على ذلك:

http://www.wataonline.net/site/modul...c_id=5&forum=2

http://www.wataonline.net/site/modul..._id=76&forum=2

3. ما السبب في موافقةالمتخصيين في الساميات لأغلب آراء الكوفيين كالقول بأن ليس مركبة وأن أصل الاشتقاق هو الفعل ...؟

لأن الاكتشافات اللغوية أثبتت صحة الكثير من اجتهادات الكوفيين. فالفعل هو أصل الاشتقاق في جميع اللغات السامية وليس الاسم. أما /ليس/ فهي مركبة من /لا/ و/أيس/ وهذا ثابت من العربية فنحن نقول "الأيس والليس" وهذا واضح. و"أيس" تعني "الوجود" في كل اللغات السامية و"الليس" تعني ـ ضرورةً ـ "عدم الوجود" وقد اهتدى الكوفيون إلى ذلك لحدة أذهانهم.

4. ألا ترون أن تحكيم اللغات السامية في أخواتها له أبعاد سياسية ونتائج غير مرضية من القول بعدم استقلالية نحونا وعدم منهجية علمائنا في البحث؟

أولا: ليس للاشتغال بعلم اللغة أبعاد سياسية. ثانيا: لا يحكم أحد اللغات السامية في أخواتها والتحكيم الوحيد في هذا المجال (إن جاز استعمال كلمة تحكيم) هو تحكيم العربية في كل الساميات وخصوصا عبرية التوراة فلقد قضى الاصطلاح بشرح غريب التوراة من الساميات وخصوصا العربية! والسبب في ذلك بسيط: العربية هي اللغة السامية الوحيدة الحية التي تطورت تطورا لغويا كبيرا ولها أدب كبير ومعجم كبير ودرست دراسة مفصلة الخ، ولأنها احتفظت بجميع الخصائص السامية القديمة، ومنها كل الجذور السامية الأصلية والأصوات والقواعد الصرفية، لذلك يعتمد الباحثون على العربية لتفسير ما غمض من الساميات. والمنهج النحوي المستعمل في دراسة الساميات هو المنهج العربي الذي وضعه الخليل وسيبويه! استعار اليهود والسريان هذا المنهج في القرن الثامن والتاسع الميلادي وأدخلوه في العبرية والسريانية ودرسوهما بناء عليه. واستعمله جميع (جميع) المستشرقين لدراسة اللغات السامية التي اكتشفت في العصر الحديث مثل الأكادية والأوغاريتية والفينيقية وغيرها، وهو المنهج المعتمد عليه في الدراسات السامية المقارنة. فدراسة الساميات مؤسسة على منهج الخليل وسيبويه وليس على مناهج غربية لأن منهج العرب في الدراسات النحوية أفضل من المنهج الغربي بإجماع أصحاب الاختصاص!

وبالتالي: هذا يعني ترسيخا لمناهج أوائلنا مبعثه دقة مناهجهم وتفوقها على المناهج الأخرى، وليس غير ذلك. ولهذا السبب بالذات ترجم المستشرقون كتاب سيبويه إلى الألمانية وشرحوه شرحا مفصلا وذلك إمعانا منهم في تأسيس الدراسات السامية على منهجه وهذا معروف لدى أصحاب الاختصاص.

وتحية طيبة عطرة.
__________________
الدكتور عبدالرحمن السليمان.

آخر تحرير بواسطة عبدالرحمن السليمان : 03/05/07 الساعة 08:22
رد باقتباس
  #3  
قديم 03/05/07, 09:44
أحمد الفقيه أحمد الفقيه est déconnecté
 
تاريخ الانضمام: 02/05/07
بلد الإقامة: السعودية
المشاركات: 65
افتراضي

جزيت خيرا

ولكن أريد توضيحا أكثر للأسئلة الاتية :

1-هل ترى يا دكتور حفظك الله بتحكيم اللغات السامية في نحونا العربي بدلا من الشواهد الشعرية ؟

2-مع العلم أن اللغات السامية تتعامل مع لغة النقوش والآثار فكيف ذلك ؟

3-ثم هل ترى أن المقارنة بين الساميات وأخواتها يسهم في فض النزاع بين نحاتنا؟
رد باقتباس
  #4  
قديم 03/05/07, 10:08
أحمد الفقيه أحمد الفقيه est déconnecté
 
تاريخ الانضمام: 02/05/07
بلد الإقامة: السعودية
المشاركات: 65
افتراضي

4-ما تقول في عدم استشهاد أبي علي الفارسي باللغةالفارسية مع محاولة وإلحاح ابن جني له وهو لا يرضى أبدا ألا يدل هذا على تقديسهم للغة العربية التي اختارها الله لكتابه ؟

5- أجد بعض الباحثين كرمضان عبد التواب والسامرائي ينتقدون علمائنا بعدم معرفتهم بالساميات فمثلا :
عد ابن جني أصل قال "قول" وعده أصلا مفترضا لأنه لم تنطق به العرب ويرد رمضان بأنه موجود في الحبشية أي أن ابن جني أخطأ في هذا فليس قول أصلا مفترضا...... ما تقول ؟

6-أجد دائما بعض البحثة يقولون إن العربية هي أشبه بالسامية الأم فلماذا يحكم غيرها فيهاكا العبرية والحبشية؟

7-هل ترى أن اللغات السامية تصلح للاستشهاد في العربية أو الاستئناس ؟

8-أن التقارب الذي قال به ابن حزم تقارب عام دون تحكيم لغة سامية في أختها ؟

وعذرا على كثرة الأسئلة وجزاكم الله خيرا

أخوكم /أبو جمانة
رد باقتباس
  #5  
قديم 03/05/07, 15:11
صورة عضوية عبدالرحمن السليمان
عبدالرحمن السليمان عبدالرحمن السليمان est déconnecté
 
تاريخ الانضمام: 06/09/06
بلد الإقامة: بلجيكا
المشاركات: 496
افتراضي

1. هل ترى يا دكتور حفظك الله بتحكيم اللغات السامية في نحونا العربي بدلا من الشواهد الشعرية ؟

لا! إن أحدا من المختصين لا يحكم اللغات السامية في العربية فأكثرها ميت وما هو حي منها (السريانية والعبرية والحبشية) تطور بناء على نظرية النحو العربي واستعار كما كبيرا من ألفاظ العربية. ثم إن الاستشهاد على أضرب والاستشهاد على القرآن الكريم والحديث الشريف لا يكون إلا من أقوال المحتج بهم فقط (عرب الجاهلية وحتى أواخر العصر الأموي). ولا توجد مصادر باللغات السامية يمكن الاحتجاج بها على القرآن الكريم والعربية عموما اللهم إلا في مجال المفردات والجذور والاشتقاق فقط.

2. مع العلم أن اللغات السامية تتعامل مع لغة النقوش والآثار فكيف ذلك ؟

يجمع علماء الساميات على الاحتجاج بالعربية على كل اللغات السامية التي وردتنا في النقوش أو في نصوص قديمة وليس العكس. لا أعرف أحدا يحتج بالنقوش على العربية لأن العربية ـ بعكس أكثر الساميات ـ لغة حية متطورة ذات أدب ومعجم كبيرين ولا أحد يحتج بالميت على الحي والعكس هو الصحيح.

3. ثم هل ترى أن المقارنة بين الساميات وأخواتها يسهم في فض النزاع بين نحاتنا؟

نعم ولا. نعم فيما يتعلق بما هو مشترك. ولا بما هو مخصوص بالعربية دون غيرها من الساميات.

مثلا: اختلفوا في أصل "تنور" وحاروا في تائه لأن التاء لا ترد في العربية بادئة لاسم الآلة. ولقد أثبتت المكتشفات اللغوية أن الكلمة دخيلة من السومرية. فهذا فض للخلاف بخصوص "تنور" إن جاز التعبير. الأمر ذاته ينطبق على لغة "أكلوني البراغيث" وبعض الظواهر اللغوية مثل "أرادَ/هرادَ؛ أراقَ/هراقَ؛ أراح/هَراحَ؛ أقلبَ/سقلبَ وألقى/سَلقى وأعلف/سَعلفَ" الخ.

إن المقارنة عمل علمي بحت من أجل إشباع الفضول العلمي من جهة، وفهم تاريخ تلك اللغات من جهة أخرى، فالعربية لغة سامية والبابلية لغة سامية وهما اللغتان الساميتان الوحيدتان اللتان احتفظتا بالإعراب كاملا غير منقوص. دُونت البابلية ابتداء من 2800 قبل الميلاد وماتت في القرن الخامس قبل الميلاد. بينما دونت العربية (عربية الشمال) بعد الميلاد. ماذا تعني هذه المقارنة؟ تعني أن العربية احتفظت بالإعراب السامي القديم حتى اليوم بينما أهملته كل اللغات السامية الأخرى. هذا استئناس مهم. فعلم اللغة المقارن يضع الأمور الاشتقاقية والتاريخية في نصابها. أما الاستشهاد على النصوص ذاتها، فلا يكون إلا من خلال اللغة ذاتها إذا كانت حية (كالعربية)، أو بمساعدة لغة حية إذا كانت النصوص مروية بلغة ميتة (مثلما احتج علماء اليهود بالعربية على نص التوراة وشرحوا غريبه من خلال العربية).

4. ما تقول في عدم استشهاد أبي علي الفارسي باللغةالفارسية مع محاولة وإلحاح ابن جني له وهو لا يرضى أبدا ألا يدل هذا على تقديسهم للغة العربية التي اختارها الله لكتابه؟

الفارسية لغة غير سامية ولا يجوز مقارنة العربية بها لا من حيث الأصوات ولا الصرف ولا النحو ولا اللغة، وأبو علي الفارسي أعلم من أن يقع في خطأ كهذا. ولا علاقة لذلك بالتقديس علما أن أوائلنا من علماء اللغة من ذوي الأصول العربية وغير العربية لا يعدلون بالعربية لغة مهما كانت لقدسيتها عندهم.

5. أجد بعض الباحثين كرمضان عبد التواب والسامرائي ينتقدون علمائنا بعدم معرفتهم بالساميات فمثل:

عد ابن جني أصل قال "قول" وعده أصلا مفترضا لأنه لم تنطق به العرب ويرد رمضان بأنه موجود في الحبشية أي أن ابن جني أخطأ في هذا فليس قول أصلا مفترضا...... ما تقول؟


الأستاذ رمضان عبدالتواب والسامرائي ليسا متخصصين في الساميات واعتمدا في كتابيهما على أعمال المستشرقين. وأنا أشك شكا كبيرا في فهمهما لتلك الأعمال بسبب جهلهما باللغات السامية. وقول الأستاذ رمضان سخيف في جميع الأحوال ووجود مصدر /قول/ في الحبشية شيء طبيعي جدا ولا أدري أين الحكمة في ذلك! ووجود المصدر في الحبشية لا يعني ـ لا من قريب ولا من بعيد ـ أن ابن جني مخطئ في افتراضه، بل جد مصح وجد عبقري في ذلك لأنه اهتدى إلى الصحيح بالاستقراء! ويتجلى إبداع ابن جني وغيره من أوائلنا في صحة استقرائهم بناء على نظرتهم الثاقبة، وأكثر ما استنتجوه صحيح تؤيده علوم العربية وكذلك علم اللغة المقارن الحديث.

6. أجد دائما بعض البحثة يقولون إن العربية هي أشبه بالسامية الأم فلماذا يحكم غيرها فيها كالعبرية والحبشية؟

أخي الفاضل: عالجت مسألة التحكيم عدة مرات وأنتهي بالقول إن الأمر لا يتعلق بالتحكيم بل بالمقارنة العلمية للاستئناس. هنالك شاذون مثل المجهول الأصل الذي ينتحل اسم كريستوف لوكسمورغ الذي يريد أن يستشهد بالسريانية على نص القرآن الكريم، إلا أن أحدا من علماء الساميات لم يقم وزنا لكلامه فضلا عن أنه نكرة منكرة في هذا المجال ينتحل اسما غير اسمه. وهنالك كتاب عرب من ذوي أصول غير عربية (مثل أنيس فريحة وغيره) ممن تفوح من كتاباتهم رائحة شعوبية مبطنة، إلا أنهم لا في العير ولا في النفير ولا يعتد بكلامهم لسخفه.

ولقد استنتج الباحثون من مقارنة الساميات ببعضها أن العربية أشبه اللغات الشامية باللغة السامية الأم التي انبثقت اللغات السامية عنها وذلك لاحتفاظها بجميع الأصوات السامية ونظام الصرف السامي والإعراب وأكثر الجذور السامية فهي جامعة في هذا المجال. وجرى العرف والآيين أن يحتج بها على غيرها من الساميات وليس العكس! وللاستئناس أذكر لك رأي اليعزر بن يهودا، باعث اللغة العبرية الحديثة، فلقد ذكر في مقدمة معجمه الكبير أن جميع الجذور العربية كانت يوما في كل اللغات السامية ومنها العبرية بسبب كون العربية أقرب للسامية الأم وبسبب وفرة المعجم العربي، وأنه ارتأى استعارة كل جذر سامي غير موجود في العبرية من العربية لإحيائها، ولقد أدخل بذلك ألفاظا عربية كثيرة في العبرية الحديثة. أما أسلافه، ومنهم مروان بن جناح* وسعاديا الفيومي وإبراهيم بن عزرا وابن حيوج وحسداي بن شبروط ويهودا بن قريش وابن بارون** فلقد فسروا غريب التوراة من العربية، واستشهدوا بالعربية على العبرية وخاصة نص التوراة! ودراساتهم القيمة كانت ولا تزال الأصل في الدراسات اليهودية. وأرجو أن يكون في ذلك بعض الشرح لمسألة التحكيم.

7. هل ترى أن اللغات السامية تصلح للاستشهاد في العربية أو الاستئناس؟

نعم للأسباب التي تقدمت. مقارنة واستئناس وليس "تحكيما". والحق يقال إني لم أسمع بكلمة "تحكيم" في هذه الدراسات!

8. أن التقارب الذي قال به ابن حزم تقارب عام دون تحكيم لغة سامية في أختها؟

مرة أخرى: لم يقل أحد بتحكيم لغة في لغة بل يكون الاحتجاج والاستشهاد والاستئناس على قدر الحاجة والضرورة والفضول العلمي. وكانت العادة ولا تزال تقتضي بالاستشهاد باللغات الحية على الميتة، وبالثابت بقوة النصوص الأدبية على غير غير الثابت سواء أكان ذلك نقوشا أو نصوصا روايتها غير متواترة (مثل نصوص التوراة).

وتحية طيبة عطرة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* مروان بن جناح (كتاب اللمع. صفحة 7-8): "أفلا تراهم [الضمير عائد إلى علماء التلمود] يفسرون كتب الله [ويقصد كتب العهد القديم] من اللسان اليوناني والفارسي والعربي والإفريقي وغيره من الألسن؟ فلما رأينا ذلك منهم لم نتحرج [من الاستشهاد] على ما لا شاهد عليه من العبراني بما وجدناه موافقاً ومجانساً له من اللسان العربي إذ هو أكثر اللغات بعد السرياني شبهاً بلساننا. وأما اعتلاله وتصريفه ومجازاته واستعمالاته فهو في جميع ذلك أقرب إلى لساننا من غيره من الألسن، يعلم ذلك من العبرانيين الراسخون في علم لسان العرب، النافذون فيه وما أقلهم"! المصدر: مروان بن جناح القرطبي، كتاب اللمع. صفحة 7-8.

** مثال عن تفسير غريب التوراة من العربية لابن بارون (القرن الثاني عشر للميلاد): "אבח". אבחת חרב (سفر حزقيال، 21:20). هذه اللفظة لا نظير لها في النص [= التوراة، أي نادرة]، وترجمها الحكيم أبو الوليد [مروان بن جناح] رحمه الله "بلمعان السيف وبريقه" بحسب المعنى، وأشار يهودا بن بلعم إلى أن معناها "خوف السيف" دون دليل. وهي عندي مجانسة للعربي وترجمتها "استباحة السيف"، والاستباحة الانتهاب والاستئصال، قال عنترة:

حتى استباحوا آل عوف عنوة ***** بالمشرفي والوشيج الذبل.


فجعل [كتاب التوراة] الاستباحة بالسيف والرمح وجاز أن ينسب الفعل نفسه إلى السيف فيقال "استباحه السيف" كما يقال "ضربه السيف وطعنه". وقد جاء عندنا مثل ذلك ואכלה חרב ושבעה (سفر إرميا، 10:46) فنسب الفعلين إلى السيف. ومما يؤيد هذه الترجمة ويعضدها قوله על כל שעריהם נתתי אבחת חרב (سفر حزقيال21:20 )، أي "جعلت على أبوابهم سيفاً يستبيحهم ويستأصلهم"، وأنه ذكر البريق بلفظة ברק التي حقيقته [كذا]، ثم ذكر في آخر الآية لفظة טבח الذي هو الفعل المختص بالسيف ويؤدي إلى الاستباحة والاستئصال اللذين إياهما يريد [كتاب التوراة]، ولا معنى لظهور لمعان السيف على أبوابهم [كما قال ابن جناح] فيمكن أن [يكون] ذلك لهم وعليهم، والنص لا يقتضي إلا أحد القسمين [= الوجهين]. فإذا لم نجد لهذه اللفظة اشتقاقا [في العبرية] وألفينا لها هذه المجانسة [في العربية] وهي لائقة بالمعنى وسائغة فيه، فأخلق بحمل الترجمة عليها ونسب اللفظ إليها. وقد نحا هذا المنحى وإن لم يكن إياه المترجم [في "الترجوم"] في قوله [بالآرامية] קטולי חרבא. وأما רבנו האיי فجعله مثل אבעת بإبدال العين".

فابن بارون يفسر العبارة التوراتية النادرة من العربية (وقد أقر ذلك العلم الحديث)، ويستشهد على ذلك بشعر عنترة. والعكس لا يكون أي لا استشهاد يكون من العبرية أو غيرها على العربية في شيء مهما دق!
__________________
الدكتور عبدالرحمن السليمان.

آخر تحرير بواسطة عبدالرحمن السليمان : 03/05/07 الساعة 15:15
رد باقتباس
  #6  
قديم 03/05/07, 17:36
أحمد الفقيه أحمد الفقيه est déconnecté
 
تاريخ الانضمام: 02/05/07
بلد الإقامة: السعودية
المشاركات: 65
افتراضي

جزاك الله خيرا ونفع بعلمكم طلبة العلم ...

وأخيرا وليس آخرا

1-ما تقول في الدكتور إسماعيل عمايرة المتخصص في الساميات وله كتب منها بحوث في الاستشراق واللغة ...حيث قال بعد أن ذكر رأي المبرد في أن أصل الجزاء -الشرط- أن تكون أفعاله مضارعة لأنه يعربها قال عمايرة : إلا أن المنهج التاريخي يقدم رؤية جديدة لهذه الظاهرة بالمقارنة باللغات السامية وذلك بعدفعل الشرط المجزوم يمثل صيغة مستقلة تمثل أصلا ساميا قديما وهي صيغة الماضي الأكادية ...وهو بذلك ليس فعلا مضارعا تعرض للجزم .
أما جواب الشرط فإن الأكادية تعبر عنه بما يدل على المستقبل باستعمال صيغة المضارع المرفوع (يدرس ) مثلا ولكنه قال وعلى أي حال فإن النظرة المقارنة على أهميتها لا تقدم وجهة نظر متكاملة وهي في هذا دون النظرية المعيارية التراثية فضلا على أنها تنهض على أساس فرضي فيه قدر من المجازفة باعتبار ظواهر لغوية سامية ما أصلا لتطور ساميات أخرى ...؟

2-الخلاف بين النحاة في الجمع بين "يا" النداء و"اللهم"فمنع البصريون ذلك والميم عندهم في اللهم منقلبة عن يا النداء وعند اكموفيين أصلها الله أمنا بخير فأجازوا الجمع بين يا واللهم على أصلهم هذافي حين أن العبرية عندهم من أسماء الخالق "الوهيم " وهذا يعني جواز الجمع بين يا واللهم ؟؟

ولكنني وجدت لابن تيمية رحمه الله يقول والميم في اللهم إشعار بجميع الأسماء فهل هو موافق للعبرية في قوله هذا ؟

ودمتم بخير
رد باقتباس
  #7  
قديم 03/05/07, 20:35
صورة عضوية عبدالرحمن السليمان
عبدالرحمن السليمان عبدالرحمن السليمان est déconnecté
 
تاريخ الانضمام: 06/09/06
بلد الإقامة: بلجيكا
المشاركات: 496
افتراضي

أخي الفاضل الأستاذ أحمد الفقيه سلمه الله،

أهلا بك وبأسئلتك في كل وقت.

1. ما تقول في الدكتور إسماعيل عمايرة المتخصص في الساميات وله كتب منها بحوث في الاستشراق واللغة ...حيث قال بعد أن ذكر رأي المبرد في أن أصل الجزاء -الشرط- أن تكون أفعاله مضارعة لأنه يعربها قال عمايرة : إلا أن المنهج التاريخي يقدم رؤية جديدة لهذه الظاهرة بالمقارنة باللغات السامية وذلك بعد فعل الشرط المجزوم يمثل صيغة مستقلة تمثل أصلا ساميا قديما وهي صيغة الماضي الأكادية ...وهو بذلك ليس فعلا مضارعا تعرض للجزم .

أما جواب الشرط فإن الأكادية تعبر عنه بما يدل على المستقبل باستعمال صيغة المضارع المرفوع (يدرس ) مثلا ولكنه قال وعلى أي حال فإن النظرة المقارنة على أهميتها لا تقدم وجهة نظر متكاملة وهي في هذا دون النظرية المعيارية التراثية فضلا على أنها تنهض على أساس فرضي فيه قدر من المجازفة باعتبار ظواهر لغوية سامية ما أصلا لتطور ساميات أخرى ...؟


بداية أنا لم أقرأ للأستاذ إسماعيل عمايرة شيئا. وقوله الذي رويته عنه ربما كان مبتورا من سياقه بعض الشيء. وأنا لا أفهم ماذا يقصد بالمنهج التاريخي. لكني أفهم من كلامه أنه يشير إلى أن الفعل في الأكادية يكون في حالة الجزم في الماضي ولا يعرب أبدا مثلما هو في العربية. وهذه حالة تتميز بها الأكادية عن غيرها ويمكن اعتبارها تطورا أكاديا مخصوصا بالأكادية دون سواها، ذلك لأن لكل لغة سامية تطورا مخصوصا بها بعد افتراق المتحدثين بها. وكلما اختلط المتحدثون بلغة سامية ما، كلما بعدت لغتهم عن الأصل السامي. من ثمة كان العرب أقرب إلى الأصل السامي لأنهم لم يختلطوا في جزيرتهم، وهي موطن الساميين الأصلي، بأمم أخرى قبل الإسلام (خصوصا القبائل المركزية).

هنالك ظواهر لغوية في العربية تختص العربية بها دون سواها خصوصا في الأفعال المزيدة. ويبرز هذا التميز في عدد الأوزان المزيدة (أكثر من أية لغة سامية)، وفي بناء المجهول للأفعال المزيدة وهذا غير موجود في أية لغة سامية أخرى. ومن السذاجة اعتبار نظام الفعل العربي ونظام النحو العربي ـ على سبيل المثال ـ أصلا ساميا لأن نظام الفعل في العربية ـ مقارنة بالساميات وغير الساميات ـ متطور جدا ومعقد جدا ولا مثيل له بين لغات الأمم المتحضرة (قارن: تَراسَلَ - تُرُوسِلَ / استغفَرَ - استُغْفِرَ الخ. وهذا مخصوص بالعربية دون سواها من الساميات). الأمر ذاته ينطبق على نحوها (أي بناء الجملة فيها). وقد يكون من ذلك إعراب المضارع في الشرط، وقد يكون أصلا ساميا شذت الأكادية عنه. ولكن لا بد من البحث عنه في المراجع قبل الجزم بشأنه!

2. الخلاف بين النحاة في الجمع بين "يا" النداء و"اللهم" فمنع البصريون ذلك والميم عندهم في اللهم منقلبة عن يا النداء وعند الكوفيين أصلها الله أمنا بخير فأجازوا الجمع بين يا واللهم على أصلهم هذا في حين أن العبرية عندهم من أسماء الخالق "الوهيم " وهذا يعني جواز الجمع بين يا واللهم؟

ولكنني وجدت لابن تيمية رحمه الله يقول والميم في اللهم إشعار بجميع الأسماء فهل هو موافق للعبرية في قوله هذا؟


لا أدري على ماذا استند شيخ الإسلام ابن تيمية في قوله أعلاه لكني أرى مذهب البصريين في أن الميم منقلبة عن ياء النداء لذلك استحال الجميع بين /اللهم/ وبين ياء النداء. أما /إلوهيم/* في العبرية فهي جمع /إله/ وهي من بقايا عقيدة الشرك لدى اليهود! وأنا أنفي أية علاقة بين /اللهم/ وبين /إلوهيم/ وأعد بحثا في ذلك.

وتحية عطرة.

ـــــــــ

* لفهم حقيقة /إلوهيم/، يرجى قراءة مقالتي في "مفهوم الإله لدى بطليموس" على الرابط التالي:
http://www.wataonline.net/site/modul...id=950&forum=5
__________________
الدكتور عبدالرحمن السليمان.
رد باقتباس
  #8  
قديم 04/05/07, 12:08
أحمد الفقيه أحمد الفقيه est déconnecté
 
تاريخ الانضمام: 02/05/07
بلد الإقامة: السعودية
المشاركات: 65
افتراضي

بارك الله وفيك ....
ولكنني أطلب رأيك الآن ونقدك في مقالين عن اللغة السامية ومدى موافقتك لهما ومعارضتك مع التعليل ما جزاكم الله خيرا ونفع بكم ؟

1-المقال الأول :

السامية والساميون جزيرة العرب مهد الحضارات السامية ـــ أسعد الفارس

للمهندس الدكتور أحمد سوسة عضو المجمع العلمي العراقي‏

عربية لا سامية.. إلى متى يستمر اليهود بتزييف حقائق التاريخ؟!‏

لست بمؤرخ ولكني قارئ أستخلص العبرة من بين السطور، وطيات النصوص، فقد ركب اليهود موجة السامية، وأدعو العبرية وكأنها تعنيهم وحدهم، وأطلقوا على مناهضيهم مصطلح المعادين للسامية والكارهين للعبرية، ففي النص الذي نسوقه للقراء تفنيد لسلسلة الادعاءات اليهودية، وقد آن الأوان لأن نستبدل مصطلح السامية بالعربية، وأن ندرك بأن العبرية كلغة والعبرانيين كشعب هم أقدم من ظهور سيدنا موسى وظهور اليهود بزمن طويل، والطريف في هذا المنهج العلمي أن يكون من باحث عريق يهودي النشأة، عربي النزعة مسلم الفكر، إنه المهندس الدكتور أحمد سوسة عضو المجمع العلمي العراقي، صاحب كتاب "العرب واليهود في التاريخ" بالإضافة إلى مؤلفاته التي تربو على الخمسين مؤلفاً في الزراعة والري وتاريخ الحضارات. ويُعدُّ بحثه المطول عن السامية والساميين في كتاب حضارة وادي الرافدين "بتقديري" من أفضل ما كتب في هذا المجال، ولهذا آثرت أن أعرض محتواه للقراء بتجرد ونزاهة في هذا الوقت العصيب بالذات الذي تمر به أمتنا، وقد اختلط في ذهن مثقفيها الكثير من أوهام الصهيونية، فنحن كمسلمين عرب لسنا ضد اليهود كيهود، فالشرق العربي المسلم قد احتواهم وحماهم، في وقت كانت أوربا تطردهم وتذبحهم في كل مكان، ولكننا ضد الحركة الصهيونية العنصرية التي بثت في الشعب اليهودي روح الحقد والكراهية، وجمعت اليهود من مختلف بقاع العالم لتغتصب ثرواتنا وأرضنا ومقدساتنا وتذبح إخواننا في فلسطين وتهدم بيوتهم، وتشرد أطفالهم ونساءهم في وقت يقف العالم كله ليتفرج، بل وتبارك القوى الكبرى سفك دمنا والسطو على ثرواتنا، وتقف شاهد زور على جريمة ما يحصل باسم مناصرة السامية، وعودة العبرية، فهل السامية تخص اليهود وحدهم، وهل اليهود عبرانيون؟ أم أن العبرانيين كشعب ولغة كانوا قبل اليهودية بزمن طويل؟‍! يقول الدكتور أحمد سوسة: "إن الدور البارز الذي لعبه الساميون في تقدم حضارة وادي الرافدين بوجه عام، وفي تطور الحضارة السومرية بوجه خاص يستلزم عرض نبذة عن أصل الساميين وموطنهم الأصلي".‏

إن تسمية "سامية، أطلقت على الشعوب التي زعم أنها انحدرت من صلب سام بن نوح الوارد ذكرها في التوراة، وكان أول من أطلقها بهذا المعنى العالم النمساوي شلوتزر shlotzer عام 1781م، فشاع استعمالها منذ ذلك الحين وأصبحت عند الباحثين علماً لهذه المجموعة من الشعوب، وسرت إلى المؤرخين العرب وباحثيهم بطرق الاقتباس والتقليد، فقد اعتمد شلوتزر على ما جاء في العهد القديم، عن أخبار اليهود في القرن التاسع أو الثامن قبل الميلاد، وأخبار الشعوب المعروفة بأنها متفرعة من نوح وأولاده: يافث، وحام، وسام، فقسم بذلك شلوتزر شعوب الشرق الأدنى حسب لغاتهم وتشابهها إلى شعوب سامية، وحامية، وآرية، فأحدثت التباساً بين اللغة والعرق أو الجنس، ثم إن هذه التسمية لم تكن معروفة عند الأقدمين، فلم تذكرها الرقم الآشورية والكتابات الآرامية. وقد ذهب المعنيون بلغات الشرق الأدنى إلى أن هناك وجه شبه ظاهريين البابلية، والآشورية، والآكدية، والكنعانية الفينيقية، والعربية، والعبرية، والآرامية، واللهجات العربية الجنوبية، والحبشية، والنبطية وأمثالها، فهي بذلك تؤلف وحدة مشتركة كانت تجمع شمل هذه الأقوام، فأطلق على الجنس المنبثق من هذه الوحدة بالجنس السامي، وعلى اللغات التي تكلمت وتتكلم بها هذه الشعوب اللغات السامية.‏

وقد اعترض العلماء المتخصصون بعلم اللغات على هذه التسمية لأنها لا تستند إلى واقع تاريخي أو سند علمي أو إلى أسس عضوية صحيحة، لذا اتجه الرأي الحديث إلى البحث في هؤلاء الأقوام من الناحية اللغوية وليس من الناحية العرقية، فمن الواضح أن تسمية "سامية" لا مبرر لها سوى ما جاء في الرواية التورائية، والاصطلاح الشائع، فكتاب التوراة مشرداً في السامية أمماً لا يعدها العلم الحديث من أسرة الساميين مثلك العيلاميين واللوديين، وأقصوا جماعة كان ينبغي إدخالها في زمرة الساميين مثل الفينيقيين(1) والكنعانيين، بسبب عدائهم الشديد لليهود، ونعتوا كنعان بالملعون، ويقول "بروكلمان": "إنهم فعلوا ذلك بسبب الحروب التي جرت بينهم وبين الكنعانيين، ولهذا بخسوا الكنعانيين دورهم في تقدم الحضارة الإنسانية، على الرغم من أن الكنعانيين كان لهم أكبر دور في تطور الثقافة العالمية، فهم مخترعو الأبجدية قبل حوالي أربعة آلاف سنة، كما كانوا أول من دعا إلى عقيدة التوحيد (وحدانية الإله، وعبادة الإله الواحد).‏

والساميون في مفهومنا وتعريفنا المستخلص في دراستنا هم العرب سكان الجزيرة العربية الأصليون، الذين وُجدوا في جزيرتهم في كل العصور الجيولوجية الجليدية وخصوصاً في العصر الجليدي الرابع ما بين (120-10) آلاف سنة قبل الميلاد، ثم استوطنوا شمال وادي الرافدين منذ الألف التاسعة قبل الميلاد، إثر الجفاف الذي حل ببلادهم، وانحدروا بعد ذلك إلى جنوبي العراق في الألف الخامسة قبل الميلاد حيث أسسوا أقدم وأعظم الإمبراطوريات مما عرفه العالم، لذلك فالعالم مدين للساميين العرب بتأسيسهم أقدم حضارة نهرية تعتمد على الزراعة والري على وجه البسيطة، وإن تاريخ وادي الرافدين إن هو إلا تاريخ العالم بأسره، وجدير بأن يكتب على حقيقته لا كما أرادوه الغرب لنا. أما من الناحية الأنثروبولوجية فقد بينت الصور والمنحوتات وشكل الجماجم التي تركها الساميون أنهم بصورة عامة لهم رؤوس طويلة، وأوجه رفيعة، وبروز في مؤخرة الرأس فوق الرقبة، ولهم أنوف قليلة الانحناء، ولهم أجسام رشيقة، وأنهم يتكلمون لهجات سامية، فاللغات السامية تتميز بخصائصها مشتركة تميزها عن غيرها من اللغات البشرية الأخرى. وبنتيجة البحث في الأقوام السامية من الناحية اللغوية، وليس من الناحية العرقية كما ذهب إليه "شلوتزر" وذلك لأن تسمية السامية لا تمثل المعنى الصحيح لهذه الأقوام، لأنها لا تستند إلى واقع تاريخي أو أسس علمية صحيحة، وأن هذه التسمية لا مبرر لها سوى الرواية التوراتية وشيوع استعمال الاصطلاح بطريقة التقليد. لذلك هناك شبه إجماع بين العلماء إن أصح تسمية لهذه الأقوام هي تسمية "الشعوب العربية" لأن هذه الأقوام من أصل عربي هاجرت من جزيرة العرب واستقرت في الهلال الخصيب، وكونت الحضارات التي سميت بالسامية خطأ، لأن اسم العرب ورد منذ القديم في الآثار البابلية والآشورية والعبرية، كما أطلق الفرس واليونان والرومان على سكان جزيرة العرب اسم العرب منذ الألف الأولى قبل ميلاد المسيح. وقال الدكتور جواد علي في تاريخ العرب قبل الإسلام: "إني سأطلق لفظة عرب على جميع سكان الجزيرة العربية، بغض النظر عن الزمان الذي عاشوا فيه والمكان الذي وجدوا فيه، سواء أكانوا سكنوا الأقسام الشمالية أم الوسطى، أم الجنوبية من جزيرة العرب. فكل هؤلاء عرب، فالمصطلح ظهر متأخراً في النصف الأخير من الألف الأولى قبل الميلاد، وتركز وتثبت بعد الميلاد، وقبيل ظهور الإسلام على الأخص". ويدعو الدكتور أحمد سوسة باستبدال مصطلح السامية بمصطلح العربية بقوله: "ولعلي لا أكون مخطئاً أو مبالغاً إذا قلت إن الوقت قد حان لاستبدال مصطلح سامي وسامية بعربي وعربية. فقد رأينا أن تلك التسمية مصطنعة تقوم على أساس التقارب في اللهجات وعلى أساس فكرة الإنسان الواردة في التوراة. وهي كما قلت أيضاً بأن الفكرة لا تستند إلى أسس علمية. وإنما قامت على بواعث عاطفية، على أساس حب الإسرائيليين أو بغضهم لمن عرفوا من الشعوب، أما مصطلحنا (العرب) الذي يقابل السامية فهو أقرب في نظري إلى العالم، ففي العرب لهجات ولغات، كما أن بين السامية لهجات ولغات. وليس ببعيد ولا بغريب عن العالم والمنطق أن نعد السامية عربية لكونها ظهرت في جزيرة العرب، ونحن نعلم أن كثيراً من العلماء يرون أن جزيرة العرب هي مهد الساميين.‏

أننا عندما نستبدل السامية بمصطلح العربية، نكون بذلك قد راعينا عاملين مهمين: عامل القرابة اللغوية والأصل اللغوي، وعامل وحدة المكان. ويجدر بنا أن لا نتحدث باسم السامية في القرن العشرين، لأن السامية أسطورة تعتمد على انحدار الساميين من صلب رجل واحد هو سام، وحري بالعلم أن تبنى أحكامه على حقائق علمية، وأن يبتعد عن القصص والأساطير".‏

إن هذا النقد الجريء الذي يطرحه الدكتور أحمد سوسة يؤيده فيه كثير من الباحثين مثل: الدكتور جواد علي، والأستاذ دروزة، والأستاذ طه باقر، والدكتورة باكزة حلمي في دراستها للغة العربية وفي تسمية السامية ما نصه: "لقد أصبح من الأفضل تصحيح ما تعمد إغفاله العلماء والمستشرقون من أخطاء، وتسمية لغات شعوب الجزيرة العربية بلغات الجزيرة العربية، كما هو متبع لدى علماء اللغة في تسمية الأسر اللغوية بالاسم الذي يدل على مواطنها الأولي" ويذهب أكثر المؤرخين الفرنجة أمثال: "سيرنجو، وأولياري" إلى أن العرب الساميين شيء واحد، فكل الأقوام التي تنتسب إلى العرق السامي كالآشوريين والبابليين والفينيقيين والعبرانيين والأدوميين وغيرهم الذين هاجروا من جزيرة العرب نحو الشمال هم عرب، أما نظرية "شولتزر" التي اتبعها اليهود بأن آرام، وأرفخشد هم ولدان لسام، وأن أرفخشد هو جد إبراهيم، والإسرائيليين ساميين باعتبارهم تحدروا من صلب إبراهيم مثلما يدعي العرب أنهم أولاد إسماعيل وقد جاء في كتب السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام أن النبي ( عندما ينسب يقف عند معد بن عدنان، فقد جاء في السيرة الحلبية عن ابن عباس أن النبي ( كان إذا انتسب لم يجاوز معد بن عدنان بن أدد ثم يمسك ويقول كذب النسابون مرتين أو ثلاثاً أما النسب فوق ذلك فلا يصح فيه طريق فغاية الأمر أنهم أجمعوا على أن نسب الرسول ( ينتهي إلى إسماعيل ابن إبراهيم الخليل الجد الثامن لعدنان الذي توقف عنده الرسول (. وعودة إلى الأنساب التي جاءت في كتب اليهود المعاصرة، فنقول إنما وجدت وكرست لأسباب سياسية. وأنهم أصل السامية، بينما العرب أهل المنطقة وأهل اللغة السامية. وهكذا يكونون قد سرقوا العلم والتاريخ والتراث عن أمتنا وعجبت من الرحالة اليهودي بنيامين التطيلي في القرن الثالث عشر الميلادي، فكل قرية أو مدينة مر بها في ديار العرب والمسلمين يطلق عليها اسماً يهودياً، وحتى سلالات الخيول العربية الأصيلة التي اقترن اسمها بالعرب يدعى اليهود أن اسمها مشتقة من أصول عبرية كما أن ادعاء اليهود بأن أصلهم يعود إلى سام بن نوح لا يوجد له أي دليل تاريخي سوى ما ورد في مصادرهم، فهم مبتدعو هذه الأسطورة، ومروجوها في كل المجالات عبر مئات السنين، وقد وقعت كثير من شعوب العالم بما فيها الشعوب الإسلامية ضحية هذه الأكذوبة حتى اقترن لفظ السامية باليهود، وأصبح الاتهام بالعداء للسامية هو القول الراجح الذي يعتمد عليه اليهود في ابتزاز شعوب العالم.‏

ولا بد من التنويه في هذا الصدد بأن الصهاينة قد استغلوا تسمية السامية لشعوب الجزيرة العربية وشجعوا استمرار استعمالها، وذلك لربط تاريخهم القديم بالعرب لما للعرب من حضارات قديمة وتراث ثقافي عريق على اعتبار أن الساميين واليهود من عنصر واحد، وقد وجدوا في إبراز مصطلح السامية وتداوله بين الناس أقرب طريق لطمس معالم الوجود العربي الإسلامي في المنطقة العربية.‏

إن استغلال اليهود لمصطلح السامية لا يقل خطورة عن استغلالهم لمصطلح العبرية، فقد اعتاد أكثر الباحثين في تاريخ بني "إسرائيل" من عرب وإفرنج استعمال كلمة عبري أو عبراني (Hebrew)، بعيداً عن معناها الذي جاءت به في المصادر القديمة، فكلمة عبري في هذه المصادر جاءت مرادفة لابن الصحراء أو ابن البادية بوجه عام، وهذه الكلمة كانت تطلق في نحو الألف الثانية قبل الميلاد وما قبله على طائفة كبيرة من القبائل العربية في شمالي جزيرة العرب وفي بادية الشام، وكانت العبرية لغة هؤلاء العبريين أهل البوادي لغة أهل فلسطين الكنعانيين، ولغة كثير من القبائل في طور سيناء، وفي شرق الأردن ومنهم: العمالقة والمديانيون وغيرهم من الأقوام العربية في المنطقة، وقد ورد هذا المصطلح بهذا المدلول في المصادر الفرعونية والمسمارية وعندما كان هذا المصطلح معروفاً في ذلك التاريخ لم يكن لليهود وجود، ولما وجد اليهود وانتسبوا لسيدنا موسى عليه السلام كانوا هم أنفسهم يقولون عن العبرية بأنها لغة كنعان، وبعد ذلك اندمجت العبرية الكنعانية في الآرامية التي غلبت في القبائل جميعاً بين فلسطين وسورية والعراق، فأصبحت العبرية تشمل جميع القبائل التي تسكن سورية والعراق وفلسطين، ولكنهم عرب نزحوا من وطنهم الأصلي في جزيرة العرب قبل أن يكون لليهود وجود، أما كُتّاب التوراة من اليهود فقد سطوا على مصطلح "العبري" للدلالة على اليهود بوجه عام بقصد إرجاع تاريخهم وأصلهم إلى العبرانيين (عهد العبيرو القديم) الذي لا يمتون إليه بأي صلة. فأهل البادية من العرب القدامى هم العبريون الذين عبروا من الجزيرة العربية في جميع أنحاء الهلال الخصيب قبل ظهور موسى واليهود بعشرات القرون، فمصطلح العبرانيين كان واضحاً في كتابات السومريين في الألف الثانية قبل الميلاد، كما وردت في رسائل تل العمارنة المصرية في القرنين الرابع عشر والخامس عشر قبل الميلاد فقد كان الكنعانيون يستخدمون لطرد الغزاة (العبيرو) عن بلادهم كما كان هذا المصطلح واضحاً في رقم بابل ونينوى، وماري، وأوغاريت. أما كيف ربط اليهود أنفسهم بالعبرية، كما ربطوها من قبل بالسامية فيورد الدكتور أحمد سوسة نصوصاً لكبار المؤرخين وعلماء اللغة تفيد بأن العبرية كانت قائمة ومعروفة قبل عهد موسى واليهود ومنها اعتراف "درايفز" أستاذ اللغة العبرية في أكسفورد في مقالة نشرت في دائرة المعارف البريطانية أن كلمة عبري (عبريت) وعبراي بالآرامية قد صاغها حاخامو فلسطين في وقت لاحق. إذ وجد الحاخامون اليهود أن أحسن طريقة يمكن إشباعها لربط تاريخهم بأقدم العصور، واعتبار عصر اليهود متصلاً بأقدم الأزمنة هو استعمال مصطلح عبري "أو عبيرو للدلالة على اليهود بوجه عام، وبذلك يكون تاريخ فلسطين تاريخاً واحداً متصلاً ومرتبطاً منذ أقدم العصور بالشعب اليهودي، وإنه لغريب جداً أن يتقبل العلماء هذه الادعاءات الزائفة التي اكتشفت حقيقتها تنقيباتهم الأثرية، كما يورد أحمد سوسة مقالة (رابين) معاون أستاذ اللغة العبرية في القدس "بأن أهل كنعان الذين وجدوا في فلسطين قبل نزوح اليهود إليها كانوا يتكلمون بلغة شبيهة بالعبرية" مجانباً بذلك وجود الكنعانية، فإذا كانت العبرية قد نشأت قبل ظهور موسى وأتباعه فكيف يمكن الربط بين العبرية واليهودية مع أن العبرية كانت لغة الكنعانيين قبل وجود اليهود؟!‏

فاليهود استغلوا الاصطلاح العبري للتمويه والتشويش، واعتبروه هو واليهودي اسمين لمسمى واحد، وأرجعوا كل ما يمت إلى اليهود بصلة في وقت لاحق إلى عهد العبريين القديم الذي لم يكن لهم أي وجود فيه، واعتبروا التراث العبري بمعنى اليهودي، وقد سار كل الباحثين على هذا النمط من التفكير المعقد الغامض، وكل وسائل الإعلام بما فيها وسائل الإعلام العربية خدعت بهذه المقولة الزائفة ولا تزال تطلق على "إسرائيل" اسم الدولة العبرية، وبذلك قبلت الثقافة المعاصرة الطبخة التي طبخها الحاخامون اليهود في خلطهم بين العبرية القديمة واليهودية على علاتها دون تمحيص أو تدقيق، وظل الباحثون متمسكين بالنظرية التي حاك خيوطها الصهاينة والتي تجعل عبرانية التوراة أقدم لغة سامية معروفة، متجاهلين الكنعانية العربية القديمة قبل العبرية بعدة قرون حتى جاءت كلمة الفصل في الرقم المكتشفة في مملكة "إبلا" السامية العربية في جنوبي مدينة حلب، فدحضت مفتريات الصهاينة وادعاءاتهم الملفقة، فقد صرح خبير اللغات الإيطالي "كلوفاني بيتيناتو" أحد المكتشفين للغة أهل "إبلا" بأنها هي اللغة الكنعانية القديمة، أي قبل ظهور اليهود بعدة قرون، ولم يبق بعد الآن أي مجال لترويج الادعاءات الصهيونية بوجود العبرية بمعنى اليهودية منذ أقدم العصور، وإنها أقدم اللغات السامية، ولحسن الحظ أن هذا الاكتشاف كان بعيداً عن أيدي الصهاينة، إذ تولت الرقابة عليه أيد عربية أمينة، وعلماء اختصاصيون موثوق بهم، ولهذا يقول مدير الآثار السوري الدكتور عفيف بهنسي: "إن اللغة المكتشفة" لغة إبلا تسبق أي لغة أو لهجة ورد فيها ذكر التوراة بما يزيد عن ألفي عام واللاحق هو الذي يأخذ من السابق، وبين تاريخ لغة إبلا وتاريخ ظهور التوراة قرون عديدة".‏

وأخيراً إلى متى يستمر اليهود في تزييف حقائق التاريخ للربط بين السامية واليهود، والعبرية واليهود، وإلى متى تبقى ثقافتنا العربية منساقة وراء هذه الفرية؟! وعلى الإعلاميين العرب أخذ الحيطة والحذر في طرح وتبني مصطلح العبرية والسامية في غير معانيها الصحيحة، أما الدكتور أحمد سوسة الذي عرض بحثه الهام والخطير عن السامية والساميين ومدلول العبرية فقد ساق في نهاية بحثه العشرات من المصادر العربية والأجنبية، ومن مختلف اللغات التي أخذ منها الحقائق والمعلومات يضيق المجال لسردها، ولا أظن أن هذه القراءة المتعجلة تغني الباحثين عن الرجوع إلى النصوص الأصلية في كتاب "اليهود والعرب في التاريخ" وكتاب "حضارة وادي الرافدين" لأحمد سوسة، وقد شهد شاهد من أهلها، فأحمد سوسة يهودي عراقي، يبدو لنا من كتاباته في نزعة عربية إسلامية، ويروى أنه أسلم في نهاية المطاف وما خطه بقلمه ليس بقليل وهو يفند مزاعم اليهود والتفافهم على وقائع التاريخ، ويشرفني أن أكون منصفاً لحوادث التاريخ وغيوراً على ديني وعروبتي، وأن أسبح في المقال عكس التيار، وعلام الخوف من تهمة معاداة السامية ما دام التاريخ يشهد بأن ارتباط اليهود بالسامية أسطورة، وتشبثهم بالعبرية والعبرانيين العرب هو أكذوبة تاريخية، ولن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا.‏

والله الموفق‏

1) )الفينيقيون: مصطلح لا يعطي دلالة على قوم مختلفين عن الكنعانيين، لأن الفينيقيين هم كنعانيون.‏

والعبرية ليست إلا لهجة كنعانية، وأن ادعاء الصهيونية بلغة قومية لهم خطأ وقع فيه كثير من الباحثين.. فاليهود تكلموا بشفة كنعان.

آخر تحرير بواسطة أحمد الفقيه : 10/05/07 الساعة 13:39 السبب: تكبير الخط
رد باقتباس
  #9  
قديم 04/05/07, 12:10
أحمد الفقيه أحمد الفقيه est déconnecté
 
تاريخ الانضمام: 02/05/07
بلد الإقامة: السعودية
المشاركات: 65
افتراضي

2-المقال الثاني :

مفهوم السامية واللاسامية بين العنصرية والتاريخ ـــ ندرة اليازجي

يتمثل هذا البحث في معالجة مصطلح "السامية" في مفهومين:‏

آ-مفهوم زائف ومضلل اعتمدته العنصرية اليهودية، مرجعه التوراة.‏

ب-مفهوم حضاري اعتمده المؤرخون الذين درسوا التاريخ القديم، مرجعه التاريخ.‏

***‏

أولاً-المفهوم العنصري لمصطلح السامية:‏

إن الدراسة المعمقة لمصطلح السامية واللاّ سامية تتطلب منا، ونحن نعالج مفهومها العنصري، الرجوع إلى التوراة لكونها المصدر الوحيد لمعرفة حقيقة هذا المصطلح الذي استغله اليهود. لذا، تقضي الدراسة المنطقية اللاّ متحيزة بتركيز عقولنا ونحن ندقق في مضمون هذا المصطلح الذي أصبح، وياللأسف، لا وعياً يهيمن على تفكير الغالبية العظمى التي تؤمن بتفسير أحداث التورة تفسيراً حرفياً وتؤكد، على نحو يقين، أن ما جاء في هذا الكتاب حقيقة ثابتة.‏

تحدثنا التوراة، في سفر التكوين، عن القصة الكاملة التي أتت على ذكر السامية المنسوبة إلى سام بن نوح. وفي هذا السفر، نقرأ ما كُتب عن قصة الطوفان لنبلغ المفهوم العنصري للسامية:‏

تكوين:6:17- فها أنا آتٍ بطوفان الماء على الأرض لأُهلك كل جسدٍ فيه روح.‏

تكوين 7: 1- ادخلْ أنت وجميع بنيك إلى الفُلك لأنني إياك رأيت باراً في هذا الجبل.‏

17- وكان الطوفان أربعين يوماً.‏

تكوين 9: 18- وكان بنو نوح الذين خرجوا من الفُلك ساماً وحاماً ويافث. وحام أبو كنعان.‏

19- هؤلاء الثلاثة هم بنو نوح، ومن هؤلاء تشتت كل الأرض.‏

20- وابتدأ نوح يكون فلاحاً وغرس كرماً.‏

21-وشرب من الخمر فسكر وتعرّى داخل خبائه.‏

22-وأبصر حام أبو كنعان عورة أبيه وأخبر أخويه خارجاً.‏

23-فأخذ سام ويافث الرداء.. وسترا عورة أبيهما ووجهاهما إلى الوراء، فلم يُبصرا عورة أبيهما.‏

24-فلمّا استيقظ نوح من خمره علم ما فعل به ابنه الصغير.‏

25-فقال: ملعون كنعان، عبد العبيد يكون لإخوانه.‏

26- وقال: مبارك الرب إله سام، وليكن كنعان عبداً لهم.‏

27- ليفتح الله ليافث ليسكن في مساكن سام، وليكن كنعان عبداً لهما.‏

انتهت قصة الطوفان وما آلت إليه هذه القصة من أحداث.‏

أما أحداث مابعد الطوفان، التي يرويها سفر التكوين من التوراة، فهي كما يلي:‏

أولاً-تذكر التوراة أن الناس، الذين تشتتوا في الأرض، عادوا إلى اقتراف الشر، الأمر الذي أثار غضب الرب، ونقمته. ولما كان الناس في خوف من حدوث طوفان آخر، فقد بنوا برجاً دعي برج بابل. لكن غضب الرب حمي من جديد فبلبل ألسنتهم وتفرقوا، ولم يبق في الأرض إنسان بار أو فئة بارة، كما تزعم التوراة، غير سام وأبنائه المباركين وحدهم من الرب.‏

ثانياً- تتابع التوراة، في سفر التكوين، سرد التسلسل النّسبي الذي بدأ بآدم، وانتهى إلى نوح ومنه إلى سام وإلى إبراهيم فإسحق فيعقوب الذي دُعي "إسرائيل"، وكان أب الأسباط الاثني عشر التي ستُعرف، خطأً، في وقت لاحق بالشعب اليهودي. وهكذا، احتفظ سام وأبناؤه، كما تزعم التوراة، ببركة الرب.‏

ثالثاً-تذكر التوراة في الإصحاح الثاني عشر الآية.‏

1-قال الرب لإبراهيم: اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أُريك...-3-وأبارك مباركك ولاعنك ألعنه، وتتبارك منك جميع قبائل الأرض... 7-وظهر الرب لإبراهيم وقال: لنسلك أعطي هذه الأرض... (هل هي فلسطين أم يُحتمل أن تكون أوسع منها بحسب الزعم التوراتي)، بحيث أنها تشمل جميع الأمم التي تحدرت من نسل إبراهيم.‏

يجدر بي، وأنا أتأمل هذه القصة العنصرية وأحللُ بعقل منطقي وعرفان تأويلي، مضامين هذه العقيدة التوراتية العنصرية، المتوارثة والمقبولة بحرفيتها، أن أفهم المغزى الذي تهدف التوراة إلى إعلانه والتعبير عنه بلغة رمزية تشير إلى تأسيس عرقية وعنصرية تتمثل في إعلاء شأن سام وأبنائه وشعبه، وفي التأكيد على البركة الإلهية التي حظي بها هذا الشعب السامي الزعم، وحُرمت منها الشعوب السامية الأخرى، كما تزعم التوراة. هكذا، نصل في هذه القصة التوراتية، إلى النتائج التالية:‏

أولاً-لم يجد الرب إنساناً باراً بين الناس غير نوح الذي تحدّر من تارح الذي تحدّر، بدوره، من سلالة آدم. وفي هذا المنظور، حظي نوح، الذي سكر من الخمرة التي شربها، ببركة الرب التي سيورثها لابنه البار سام الذي باركه الرب.‏

ثانياً-تذكر التوراة أن نوح لعن الناس، الذين يرمز إليهم كنعان، وعلى غير ذلك، نقرأ في ملحمته جلجامش كيف يبارك أوننابشتم السامي جميع الناس بعد انحسار الطوفان..نوح يلعن وأوننابشتم يبارك.‏

ثالثاً- تعد التوراة جميع شعوب العالم حصيلة تشتت أبناء نوح. لكن هذا التشتت ينقسم إلى قسمين:‏

أ-ذرية حام، عبر ابنه كنعان الذي لعنه الرب، وبالتالي انصب غضب الرب على جميع شعوب العالم، فبلبل ألسنتهم.‏

ب-ذرية سام الذي باركه الرب، وذرية يافث التي جعلها نوح تسكن في مساكن ذرية سام المباركة.‏

رابعاً-يلعن نوح حام، أب كنعان لأنه رأى عورته، وبارك سام الذي سيُبقي أخاه يافث إلى جانبه فيسكن معه خاضعاً مختاراً. وفي هذه الحالة، يؤيد الرب نوح لأنه بارك سام، ويعلنُ بركته لسام ولعنته لكنعان الذي لم يكن مسؤولاً عن تصرف والده حام. وإذا كان الرب قد بارك، ولا يزال يبارك سام، وأبناءه وشعبه الذي تتمثله التوراة كما وتتضمنه في بني "إسرائيل" وحدهم ودون سواهم، فإنما الأمر يعني أنه لا يحق لأحد من الناس أن يعارض السامية، نسبة إلى سام، أو ينتقدها، أو يعطي رأيه في مضمونها ومغزاها لسبب هو أن مؤسسها سام وأبناءه مباركون من الرب الذي يرعاهم، ويعتني بهم بوصفهم شعباً مختاراً ومميزاً له.‏

خامساً-لما كانت إقامة يافث ستتحقق في ظل مساكن أخيه سام، وبالتالي لا نعرف شيئاً عن ذريته، فإن لعنة التشتت في أنحاء الأرض ستكون من نصيب كنعان، وأبنائه وشعبه، وهذا يعني أن البشر الممثلين بكنعان، إذ لم يبق في الأرض سوى ذرية سام المباركة وذرية كنعان الملعونة، أصبحوا يعانون من اللعنة التي صبّها نوح على كنعان وأبنائه الذين لا يحق لهم أن يتحدثوا عن سام وأبنائه بالسوء، كما تزعم التوراة.‏

سادساً –تذكر التوراة أن الناس الذين تشتتوا في الأرض، وهم أبناء كنعان، عادوا إلى اقتراف الشر.وقد تمثل هذا الشر في بناء برج خوفاً من حدوث طوفان آخر. لقد غضب الرب عليهم من جديد، فتفرقوا بعد أن بلبل ألسنتهم.‏

سابعاً-تتابع التوراة التسلسل النّسبي بدءاً بآدم ومروراً بنوح إلى سام ومنه إلى إبراهيم، ومنه إلى إسحق ويعقوب الذي أصبح رمزاً لبني "إسرائيل"، وللأسف، يشير هذا التسلسل النّسبي العنصري، الذي تعتمده التوراة ويباركه الرب، إلى أن بني "إسرائيل"، الذين عزلوا أنفسهم عن آبائهم الساميين الأصليين، هم وحدهم من بين شعوب العالم، نالوا بركة الرب لأنهم يمثلون أبناء يعقوب الذي تحدّر من صلب إبراهيم، الذي تحدر من نسل سام بن نوح الذي تحدّر من سلالة آدم.‏

وفي هذا المنظور، يعد الإسرائيليون أنفسهم الساميين المميزين لأنهم أبناء سام المبارك من الرب. وهكذا، ترى الفئة العرقية والعنصرية من بني "إسرائيل"، وهي فئة اليهود، وفق ما جاء في التوراة، أن غضب الرب ولعنته ينصبان على الذين يلعنون من يباركهم أو يقاومون إرادته المتجهة إلى بركة سام وذريته والخاصة بهم وحدهم. وحرمان غيرهم منها. وهكذا، يزعم اليهود بأنهم يحتكرون بركة الرب التي منحها لسام، وللسامية التي يزعمون بأنهم يمثلونها ويشخصونها في عنصريتهم، ويجردون الشعوب السامية الأخرى، وهي الشعوب السامية الأصلية، من هذه النعمة لسبب هو أنهم، كما تزعم التوراة، أبناء كنعان الذي حظي بلعنة نوح والرب معاً.‏

ثامناً-في الأصحاح الثاني عشر من سفر التكوين، الآية 3-نقرأ مايلي: قال الرب لإبراهيم: أبارك مباركك ولاعنك ألعنه، ومنك تتبارك جميع قبائل الأرض. 7-وظهر الرب لإبراهيم وقال: لنسلك أعطي الأرض التي أُريك (قد تكون فلسطين وقد تكون من الفرات إلى النيل وقد تكون الأرض كلها).‏

على الرغم من أن التوراة، في سفر التكوين، تذكر أن الرب بارك إبراهيم الذي تتبارك منه جميع قبائل الأرض-لكن اليهود المتعصبين والعنصريين احتفظوا بهذه البركة الإبراهيمية-السامية لأنفسهم وحدهم وحرموا الشعوب السامية الأصلية منها لسبب هو أنهم يزعمون، نتيجة لفهم عنصري وتعصبي للسامية، بأنهم وحدهم أبناء إبراهيم المتحدرون من نسل سام بن نوح المتحدر من آدم، ألا تذكر التوراة، في سفر التكوين، أن إبراهيم أتى من أور الكلدانيين الذين عُرفوا بأنهم فئة سامية تفوقت حضارياً؟.. ألا تذكر التوراة في السفر ذاته، أن اسحق بن إبراهيم ويعقوب تزوجا من امرأتين ساميتين في بلاد الآباء الساميين؟..‏

هكذا، تدعي السامية العنصرية، وفق ما تتحدث التوراة، بأنها الصفة الخاصة والعلامة المميزة لسام الذي باركه الرب، والملحقةُ بأبنائه الذين باركهم الرب وميزّهم عن سائر البشر، واصطفاهم شعباً له، ولعن كل من يلعنهم، أو يُنكر عليهم هذه النعمة. وعلى نحو مغاير، تعد اللاّ سامية عدم الاعتراف بهذا الاصطفاء والاختيار، والتنكر لبركة الرب لسام وابنائه اليهود، والكراهية الموجهة لسام وأبنائه، والحقد الذي يضمره الآخرون للسامية العنصرية التي كرسها الرب، كما يزعمون، قوة فعالة لخلاص البشر، لذا، كانت اللاّسامية، في مضمون التوراة، وفي زعم اليهود، حرباً شعواء، ضد الرب وشعبه.. حرباً تحول دون تحقيق مآرب ومقاصد الرب في الأرض، والمجسدة ببناء الهيكل الذي يهيئ له سبيل العودة إلى شعبه ليسكن معهم، وهكذا، لا تقبل السامية، وفق المفهوم التوراتي العنصري، النقد أو الرأي الحر؛ هي عرقية مميزة يقف أفرادها في قمة الهرم الإنساني على نحو لا تنطبق عليهم قوانين العالم.‏

يمكنني، وقد بلغت هذا الحد من البحث، أن أتساءل: ماهي النتائج الحاصلة من هذا الاعتقاد العنصري والعرقي الذي يشير إلى تركيز النبوة الآدمية والمحورية السامية في اليهود والإسرائيليين وحدهم؟..‏

تتمثل الإجابة عن هذا التساؤل في دراسة البنية الفكرية والعقائدية اليهودية التي تعاني من معضلة تتأرجح في متاهاتِ ستِ عقد نفسية هي:‏

آ-عقدة العظمة-في الدراسة النفسية القائمة على التحليل النفسي، تعد عقدة العظمة تغطية أو تعويضاً زائفاً لعقدة النقص. وعلى سبيل المثال، يسعى المتكبر إلى تغطية عقدة النقص التي يعاني منها، هذا ما تؤكده الدراسات النفسية المعمقة التي تشير إلى أن عقدة العظمة تعقيد تعويضي زائف لعقدة النقص التي تبلغ حدها الأقصى في عقدة العظمة، إنها مرض نفسي يشير، بدوره، إلى عدم تكامل أو توازن الوظائف النفسية، أما بالنسبة لعقدة العظمة التي يعاني منها اليهود، فإنها تتمثل في لا شعور أو لا وعي معقد ترسّب، على نحو مركز، في الذاكرة الجمعية لليهود عبر تاريخهم، وفي تصلب عنصري يُرد إلى اعتقادهم بأنهم شعب خلقهم الله على نحو مميز ومتمايز عن الشعوب الأخرى، ومتفوقٍ عليها بموهبة الاختيار، فقد وهبه ربهم بركته، واصطفاه وجعل منه شعباً مختاراً تألق، على نحو افتخار وتعالٍ، في بركته "السامية" المركزة في سام وأبنائه اليهود. هذه هي عقدة العظمة، التي تُفصح عنها مضامين التوراة والتلمود.‏

ب-عقدة الذنب- تعد هذه العقدة طيفاً ملازماً لعقدة العظمة المتصلة بمعضلة الاعتقاد الزائف بالاصطفاء والمعبرة عن اختيار "الرب" للشعب اليهودي"، أبناء سام ولئن كان "الرب"، بحسب زعمهم، قد اختارهم واصطفاهم، لكنهم، بحسب ما يزعمون، يحرفون إرادته وينتهكون شريعته، ويرفضون أو يمتنعون عن تحقيق أو تنفيذ ما خططه لهم، ويقوضون الرسالة التي فوّضهم بها أو يشوهونها، ويقتلون حكماءهم وأنبياءهم الذين يرشدونهم إلى الخير، ولا يأبهون لصنائع "الرب" وخدماته لهم أو يقللون من أهميتها، ويشوهون مبدأ سام على نحو عصيان وتمرد الخ.. ونتيجة لهذا الرفض والتنكر والتشويه والتمرد على نعمة "الرب" عليهم، والعصيان والخروج عن نطاق رعايته لهم، تولاّهم إحساس بخيانة "إلههم" وطغى عليهم شعور مأساوي ومؤلم يتجسد في مفهوم الضمير النادم. وفي هذه الحالة النفسية التي يسيطر عليها الإحساس بالذنب، يلجؤون إلى استلاب الحقيقة والاغتراب عن "الناموس" ليقعوا في أحضان الفوضى والاضطراب، ويصبحوا أداة سلب تلجأ إلى العنف والضياع والتشتت والنفي والأسر والوقوف من الأمم والشعوب موقف العداء.‏

ج-عقدة الاضطهاد...‏

يعد بروز عقدة العظمة، التي تهيمن على اللاّ وعي الجمعي اليهودي، وتتحكم به وتسيّره، وعقدة الذنب التي تلازمهم، مشكلة مستعصية تؤدي إلى اختلاق عقدة الاضطهاد، فالناس، كل الناس، يضطهدونهم لسبب يشير إلى أنهم "شعب مختار"، ويرفضون الاعتراف بالنعمة التي أسبغها "الرب" عليهم وأكرمهم بها، وجعلهم الشعب الوحيد المتحدر من سلالة آدم ونوح وسام. وفي زعمهم هذا، يعد اضطهاد الشعوب لهم قضية تشير إلى أفضليتهم على جميع البشر.‏

د-عقدة الانطواء: -كما أن الإنسان، الذي أُصيب بعقدة الغطرسة المتعالية على الآخرين على نحو زائف، يعزل نفسه عن الآخرين جسدياً ونفسياً، وينطوي ضمن غلافات عقدته التي تعاني من إحساسه بالتمايز عن الآخرين، ويعاني من عقدة اضطهاد الآخرين له بسبب الغيرة المنفصلة والحسد اللذين يعانون منها، كذلك ينطوي اليهود على أنفسهم وينعزلون في كل مجتمع يلجؤون إليه داخل الغيتو الذي يعزلهم نفسياً وجسدياً عن غيرهم لسببين:‏

آ-تحقيق أو تنفيذ ما جاء في شريعتهم التي تشير إلى تمايزهم الذي لا يسمح لهم بالاختلاط مع الآخرين.‏

ب-الحفاظ على شريعتهم وعلى أنفسهم من كل دنس ورجس يسببه لهم الآخرون.‏

هكذا، ينغلق هذا الشعب على ذاته ويحتجز أناه التجمعية داخل معطيات ومقومات شريعته، ويرفض قبول الآخر في دائرته الخاصة به، ولا يقبل أن يعترف به. ويزعم هذا الشعب بأنه الكيان الإنساني الوحيد الذي يحيا ضمن نطاق الحقيقة التي يمتلكها لينغلق داخل أسوارها، ويرفض الامتداد إلى الآخرين، الأمر الذي يشير إلى عدم قدرتهم على تحقيق السلام، والأمن والمحبة مع الآخرين.‏

هـ-عقدة العدوان-تعد عقدة العدوان نتيجة لازمة لعقدة العظمة وعقدة الذنب وعقدة الانطواء والانغلاق وعقدة الاضطهاد، وفي هذه العقدة، يبرز الإحساس الخاطئ المتمثل في وقوف عقائد الشعوب خلف عقدتهم هذه.هذا، لأن الغضب، والكراهية، والنفور، والحسد، والإحساس بالوضاعة إزاء عظمة اليهود، والحرمان من نيل بركة "الرب" وعدم الاعتراف بتفوق اليهود وعدم القبول بهذا التفوق عوامل تملأ قلوبهم بالغيظ، الأمر الذي يدفع الشعب اليهودي إلى العدوان... لذا، تعد عقدة عدوانيتهم، في زعمهم، نتيجة حاسمة لموقف الشعوب الرافض لهم... الشعوب الكارهة التي تثير عدوانيتهم.إذاً، فالشعوب، في زعمهم، تشكل لديهم مصدر الدفاع عن النفس. وقد عبّر فرويد عن هذه الصفة العدوانية في عبارته "مكانيزم المقاومة والدفاع"، إنهم يقاومون موقف الشعوب العدائي منهم، وبالتالي، يدافعون عن أنفسهم-إنهم يعكسون الوضع لصالحهم، وفي هذا الوضع، يصبح الناس هم المعتدين... ويكمل فرويد عبارته لينتهي إلى الخلاصة الثالثة: "العدوانية والموت"... الموت لمن يقف منهم موقف الرفض الذي يعدونه اعتداء عليهم، وهذا يعني إسقاط عقدة عدوانيتهم على الآخرين ليصبحوا المعتدين الذين يستحقون الموت.‏

و-عقدة المجيء-تعد عقدة المجيء نتيجة أخيرة لازمة لجميع العقد المسيطرة على النفسية اليهودية المستغرقة في اللاّوعي الجمعي المغروس في مركزيته ذاتهم المصادرة لصالح هذه العقدة. والحق هو أن خلاصهم من استعداء الأمم لهم ورفض حقيقة وواقع اختيارهم واصطفائهم، لا يتحقق، كما يزعمون، وفق إرهاصات عقدة الذنب التي تسيطر عليهم، إلاَّ بمجيء مخلص ينقذهم ويحررهم من عبودية الأسر والنفي والاضطهاد والاغتراب، ويضعُ أعداءهم تحت أقدامهم، وفي هذا المنظور، ينتظرون، ظهور مخلص بينهم. لقد توقعوا ظهوره في القديم، وجسدوه بالأنبياء والملوك وبكل من يقدم لهم يد العون. لكنهم لم يوفقوا في الحصول على الخلاص الكامل الذي توقعوه وانتظروه، لهذا السبب، نراهم ينتظرون ويتوقعون، في وفاقٍ مع أمانيهم وآمالهم الدنيوية والأخروية، مجيء "مسيح" ينقذهم ويخلصهم على مستويين:‏

آ-المستوى المادي-الذي يشير إلى الانتصار على الشعوب وغلبة مناوئيهم وقهر كل من يرون فيه عدواً، وإخضاع العالم لسيطرتهم.‏

ب-المستوى الروحي -الذي يشير إلى نهاية الدهور حتى يبلغ كل شيء نهايته، ويعود الحق إلى نصابه، وتكون الحياة الأبدية من نصيبهم وحدهم، وتكون السماء مكاناً يبتهجون فيه ويسعدون إلى الأبد، وتكون جهنم مكاناً لائقاً بالذين رفضوهم وتنكروا لعقدة عظمتهم واصطفائهم واختيارهم.‏

أستطيع، وقد بلغت هذا المستوى من البحث، أن أتساءل من جديد: ماهي العقيدة المركزية التي تبناها اليهود لتصبح العقدة الرئيسة التي حرّضتهم على اختلاق وابتداع سبب يدعوهم إلى اتخاذ موقف متصلب وعدائي من الأمم؟...‏

هي العقدة السامية الممثلة في مفهومين:‏

آ-المفهوم الديني-هو زعم أو اعتقاد زائف بأنهم الساميون المباركون لأنهم، وحدهم، أبناء سام المبارك.‏

ب-المفهوم العنصري-هو زعم أو اعتقاد بأنهم أبناء التطور الهابط من السماء إلى الأرض، وأن جميع الشعوب هم أبناء التطور الصاعد من التراب والأرض... هم أبناء السماء وغيرهم أبناء الأرض.‏

ثانياً-المفهوم الحضاري لمصطلح السامية:‏

في الألف الرابعة قبل المسيح، وجدت في الهلال الخصيب ثلاثة شعوب تتنافس بين بعضها في سبيل السيادة:‏

1-عند رأس الخليج العربي، وجد السومريون الذين قدموا، على نحو احتمال، إلى المنطقة من الشمال. ويذكر التاريخ بأنهم لم يكونوا ساميين.‏

2-في صحراء العربية، أي في شبه الجزيرة العربية، وجد الساميون الذين عُرفوا بأنهم قبائل بدوية متنقلة، ومع ذلك، دفعهم طموحهم إلى النزوح من منطقتهم الصحراوية والانتقال إلى منطقة أفضل وأخصب في الهلال الخصيب.‏

3-على الجانب الآخر من الهلال الخصيب، الواقع إلى ما وراء الجبال، عاشت جماعات عُرفت بالإندو-أوربية،حاولت، مرة تلو أخرى، اقتحام منطقة الغابات والوصول إلى المنطقة الزراعية الخصبة والغنية.‏

لما كان السومريون عاجزين عن بسط سيطرتهم الكاملة على الهلال الخصيب، فإن الجماعة السامية، القادمة من الصحراء، استغلت الفرصة واحتلت تلك المنطقة قبل استيلاء الإندو-أوربيين عليها. لقد سيطر الساميون على تلك المنطقة لفترة زمنية لا تقل عن ألفي عام.‏

لكنّهم، لم يكونوا منظمين، بما فيه الكفاية، لتأسيس دولة موحدة.. ومع ذلك، شكلوا عدداً من الدويلات المتمايزة عن بعضها. ونتيجة لهذا التشكل المتمايز، لم تستطع دويلة واحدة أن تفرض همينتها على الدويلات الأخرى طيلة تلك الفترة الزمنية الطويلة.‏

يعد الأكاديون، الذين سكنوا في المناطق الأكثر قرباً من السومريين، الفئة السامية الأولى التي تحضّرت قبل غيرها، وفي نظر السومريين، كان الأكاديون الساميون عنصراً أو عرقاً متخلفاً يعيش أبناؤه في الخيام، ولا يملكون لغة مكتوبة، ولا يتميزون بفن الحرب والسلم، وتنقصهم أو تعوزهم الصفات الحضارية، لكن الأكاديين أصبحوا قادرين على إتقان فن الحرب والسلم، واستطاعوا أن ينتصروا على السومريين.‏

تحققت غلبتهم على السومريين عام 2850 ق.م. على يد سرجون الأول الأكادي السامي الذي كان محارباً عظيماً. واستطاع سرجون أن يوسّع انتصاراته وفتوحاته على أرض الهلال الخصيب حتى بلغت حدود البحر الأبيض المتوسط. لكن مدة حكمه الطويلة انتهت على نحو مأساوي نتيجة لتمرد عليه شمل كامل إمبراطوريته، وتوفي قبل استعادة النظام تاركاً هذه المهمة لمن يخلفه.‏

توطد النظام في عام 2000ق.م.على يد حمورابي الذي أصبح ملكاً لبابل التي أصبحت عاصمة الإمبراطورية واتسعت حدود هذه الإمبراطورية من الخليج العربي حتى البحر الأبيض المتوسط.‏

انتهت إمبراطورية حمورابي بعد موته. لقد قضى على هذه الإمبراطورية محاربون جبليون قدموا من الشرق، وخلال الفترة الزمنية لحكم المحاربين الجبليين، برزت فئة سامية في الأقاصي الشمالية لنهر دجلة، وجعلت هذه الفئة السامية من أشور مركزاً لها. كانت أشور مدينة قديمة استقر فيها مهاجرون قدموا إلى بابل قبل سقوط الإمبراطورية. وقد تزاوج القادمون الجدد مع الشعوب المجاورة الواقعة على الجانب الشرقي، الأمر الذي أدى إلى تراجع العنصر السامي الصافي عن العنصر السامي الصافي لأنسبائهم في الجنوب. وهكذا، كانوا الساميين الوحيدين الذين تميزوا بموهبة التنظيم السياسي. وقد أعاقهم الحثيون القادمون من آسيا الصغرى عن التوسع.‏

بعد انقضاء ألف عام على موت حمورابي، استطاع القائد سرجون الثاني (722-705) ق.م، الذي أخذ من سرجون الأول مثالاً له وادعى علاقته النّسبية مع الساميين، أن يبسط سلطته على الهلال الخصيب.‏

الخلاصة:‏

في نهاية هذا البحث، يتوجب علينا أن نطرح على أنفسنا الأسئلة التالية: ماهي السامية؟.. هل هي تاريخ حضارة شعب سامي"، متعدد الفئات، امتد واتسع على نحو أصبح تاريخاً عاماً يخص جميع الناس الذين وجدوا في هذه المنطقة، وحضارةً تأخذ بمفاهيمها ومبادئها وقوانينها وثقافتها الأمم والشعوب المتحضرة، أم هي مفهوم عرقي وعنصري خاص بشعب يسعى، على نحو اعتقاد، إلى تجريد الأمم من هذا المصطلح التاريخي أو التسمية ليلحقها بذاته ويخرجها من نطاق التاريخ الإنساني الحضاري؟..‏

"السامية" هي صفة ملازمة للشعب أو للشعوب التي اتسمت بمزايا حضارية وثقافية تركت آثارها الرائعة لتخلد في الضمير الإنساني. وإذا كان اليهود أو الإسرائيليون يعتقدون بأن "السامية" نسبة إلى سام، فإنما ليدل الأمر على أن جميع أهل هذه المنطقة المترامية الأطراف "سامية" سواء بسواء. وفي هذا المنظور، يسقط ادعاء اليهود الذين يوطدون معتقدهم على خصوصية وفردانية "ساميتهم" دون الآخرين.‏

في هذا السياق، نسأل: لماذا يسعى اليهود والإسرائيليون إلى تجريد الأمم الحضارية الأخرى من "السامية"؟..‏

تتمثل الإجابة في معرفة الحقيقة التاريخية التي تسير إلى كون الأكاديين فئةً من الساميين الذين قدموا من الصحراء العربية، ولما كان حمورابي قد دوّن شريعته، التي استوحاها من المبادئ الإنسانية والكونية، وكانت هذه الشريعة متفوقة في مضمونها وسامية في عظمة إنسانيتها، وتتجاوز، في مضامينها الأخلاقية والإنسانية، ما جاء في شريعة بني "إسرائيل"، فإن الحقد التوراتي دفع باليهود إلى إسقاط القيمة المنطوية في شريعة حمورابي وفي حضارة الساميين، وإلحاق هذه القيمة بعنصريتهم.‏

أخيراً، أسمح لنفسي أن أعلن، بصراحة واضحة، إنني أؤمن وأثق بما يحدثنا به تاريخ الحضارة الإنسانية الذي يشتمل على تاريخ جميع الأمم والشعوب، ويهدف إلى لقاء هذه الشعوب والاعتراف بجميع الثقافات والمبادئ. وهذا يعني أنه يليق باليهود والإسرائيليين أن ينضموا إلى الحضارة السامية دون أن يعزلوا أنفسهم، ويسعوا إلى رفع شأن هذا المصطلح أو التسمية أو المفهوم ليشمل أو تشمل جميع الفئات التي سكنت في هذه المنطقة من العالم، ليتفاعلوا، على نحو تعاون حقيقي، لإبراز المعالم الإنسانية والروحية الكامنة في الحضارة السامية، ألا تذكر التوراة، في سفر التكوين، أن إبراهيم أتى من أور الكلدانيين الذين عُرفوا بأنهم فئة سامية حضارية؟...‏

آخر تحرير بواسطة أحمد الفقيه : 10/05/07 الساعة 13:42 السبب: تكبير الخط
رد باقتباس
  #10  
قديم 04/05/07, 14:20
أحمد الفقيه أحمد الفقيه est déconnecté
 
تاريخ الانضمام: 02/05/07
بلد الإقامة: السعودية
المشاركات: 65
افتراضي

هذا وقد قلتم بأنه ليس هناك تحكيم لغة سامية في أخرى وإنما يستأنس بها على أختها للمقارنة ....أو كما قلت .

ولكنني رأيت مقالا لك يا دكتور فهمت منه استشهادك بالسامية على أختها العربية في مسائل الإعلال والصرف حيث تقول في بحثك حاشية في الإعراب في الساميات :

(( ورد في كتاب ابن جني، سر صناعة الإعراب. دمشق، 1985. الجزء الثاني، الصفحة 674: "سَلقى" بمعنى "ألقى"، والسين للتعدية. أما "سقلب" و"سعلف" بمعنى "أقلبَ" و"أعلفَ" فمبثوثتان في أكثر المعاجم وكتب اللغة كما تعلم.


وينسب إلى الفراء: "شَبَّهوا أسْطعتُ بأفعلتُ" (أدب الكاتب لابن قتيبة، الصفحة 493). وعندي ـ وهذا اجتهاد شخصي ـ أن "أَسْطاعَ يُسطيع" بمعنى "أَطاعَ يُطيع"، أصله "سَطاع" أي "أطاع"، وأن السين كانت للتعدية. ثم أضافوا إليه الألف فيما بعد للاضطراد فجعلوا له حرفَي تعدية (السين الأصلية والألف المزادة)، مثلما جعلوا لـ "أَهْراقَ" حرفي تعدية كذلك (الهاء الأصلية والألف المزادة).))

ما تقول في ذلك حفظك الله وسددك !!

آخر تحرير بواسطة أحمد الفقيه : 10/05/07 الساعة 13:45 السبب: تكبير
رد باقتباس
رد

أدوات الموضوع
أنماط العرض

قواعد المشاركة
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is تعمل
رموز لغة HTML لا تعمل

الانتقال إلى


مواقيت المنتدى كلها بتوقيت جرينتش. الساعة الآن 15:51.




جميع الحقوق محفوظة 2014© جمعية الترجمة العربية وحوار الثقافات (عتيدة)
تصميم الموقع وإدارته: فريق عتيدة للتصميم التابع للجمعية
محتويات الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الجمعية
Powered by vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.