خواطر حول "حوار الحضارات"
بداية، ينبغي تعريف مصطلحي الحوار والحضارة. فتعريف المصطلحات، كما لا يخفى، مهم في كل حوار!
الحوار هو تبادل الرأي والنقاش وتراجُع الكلام والمجادلة أو الجدال أو الجدل.
وينبغي أن نضفي قيمة أخلاقية على هذا المصطلح لكي يكون مفيدا، إذ إن الحوار أو الجدال بغير التي هي أحسن ليس حوارا على الحقيقة لأنه بذلك يتعارض مع إنسانية الإنسان "المتحضر"! ومن هنا كان الحديث عن "صراع الحضارات" غير صحيح لأن الإنسان كلما تحضر ابتعد عن الصراع!
أما تعريف الحضارة، فاختلف الباحثون بشأنه اختلافا شديدا، ولعل التعريف التالي من أشمل التعاريف في نظري المتواضع:
"الحضارة هي مجموع تفاعلات الإنسان مع الموجودات والمعقولات".
ومعظم من درسوا الحضارات يقسمونها قسمين:
1- أسسها الفلسفية والفكرية
2- إنجازاتها المادية وغير المادية
ومن هنا يرى البعض أن الحديث عن حوار "الحضارات" غير سليم ويفضلون الكلام عن حوار "الثقافات" لأن الإنجازات المادية لا تتحاور! لكن البعض الآخر يرى أن تبادل المنتجات المادية والخدمات شكل من أشكال الحوار!
ومن المهم الإشارة إلى أن هناك مصطلحات كثيرة تُتداول بين الباحثين، مثل تعايش الحضارات ولقاء الحضارات وتحالف الحضارات وتعارف الحضارات والتواصل بين الحضارات وغيرها، لكن مصطلح "حوار الحضارات" انتشر أكثر من غيره وإن كان قاصرا مقارنة بمصطلح "التعارف" مثلا.
ومهما يكن من أمر، فإن الحوار حقيقة تاريخية وضرورة نفسية واقتصادية واجتماعية وسياسية. فالإنسان بطبعه ميال إلى معرفة الغير (الآخر). والحضارات، كما هو معلوم، تعارفت منذ آلاف السنين، لا سيما عن طريق التجار ثم السفراء والدعاة إلى الديانات المختلفة الذين جابوا الأرض لنشر دياناتهم... ومن هنا كان دور الترجمة والمترجمين! فكثيرا ما كان أولئك التجار والسفراء والدعاة يحتاجون إلى الترجمة في أعمالهم التجارية أو السياسية أو الدينية تباعا. ومنهم من تعلم لغات الأقوام الذين تعاملوا معهم، ومنهم من تزوج منهم ... والحوار ضرورة سياسية أيضاً، لا سيما في العلاقات الدولية. فكلما ابتعدنا عن الحوار، زاد هامش سوء الفهم، وكلما زاد هامش سوء الفهم، زاد احتمال الصراع، وكلما زاد احتمال الصراع، زادت إمكانية وقوع الصراع، وإذا وقع الصراع تباعدت الدول والشعوب بعضها عن بعض وأصبحت آذانها صماء عن سماع الغير وقلوبها غلفا عن معرفته. وبالتالي، فليس أفضل من السلم للتعارف. وهناك تفاعل إيجابي بين السلم والتعارف. فالتعارف يهدي إلى السلم والسلم يهدي إلى التعارف ...
هذا، ويحصر كثير من الناس الحوار في الحوار بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية. فجُلّ ما كتب حتى هذه اللحظة يتحدث عن الحوار بين هاتين الحضارتين لا غير. وإن كان لهذا التركيز وجاهته، فرأيي المتواضع أن نوسع نطاق الحوار ليشمل سائر الحضارات لأسباب عدة لا تتسع لها هذه "الخواطر" ...
|