حسانين أبو عمرو
20/05/08, 20:12
الجزء الأول
الإسعاد في شرح قصيدة بانت سعاد
الإسعاد في شرح قصيدة "بانت سعاد" (2)
للشاعر الصحابي الجليل كعب بن زهير
محمد رسول الله الممدوح
ذ. توفيق بهاج
سيدنا محمدا رسول الله أفضل العالمين
إعلم حفظك الله ورعاك أن الله قد خلق الإنسان ليعبده ، وجعل له من المدارك والجوارح ما يستعين بها على معرفته وسخر له باقي مخلوقاته وغيرها من الكائنات ليحمده، فأمره أن يخلص له في العبادة ويفرده بالوحدانية ويذكره سرا وعلانية، ويشكره عن الآلاء الكثيرة والنعم الجليلة التي لا تعد ولا تحصى عسى يقبله الله مع المقبولين ويفتح له أبواب السعادة يدخلها مع المأجورين ويكرمه بجنة النعيم مع المقربين.
قال تعالى: "وماخلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"{1} أي ليعرفون وقال أيضا: "فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم". {2}
ولما كان على الإنسان وجوب معرفته تعالى وتحقيق عبوديته له، كان لابد عليه أن يعرف ما يجب في حقه سبحانه وما يجوز وما يستحيل ولا سبيل لمعرفة ذاك إلا بمعرفة خير خلقه الدال عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء والمرسلين، والملائكة المقربين، وجميع عباد الله الصالحين، وكافة الخلق أجمعين إفرادا وإجمالا قال تعالى " الرحمان فاسأل به خبيرا". {3}
فمعرفة حقوقه صلى الله عليه وسلم وصفاته الحميدة وفضائله المجيدة وشمائله الكريمة وخصائصه العظيمة وأقواله وأفعاله.. أساس كل سلوك، ومبلغ كل قصد، فليس بدونه فلاح ولا لآحد بلوغ أسباب نجاح إذا لم يتخذ رسول الله بغيته، ولم يجعله قبلته، وإن انقاد مع العقل يستعليه والهوى يسترضيه ونظر إلى رسول الله نظرة البشرية وألحق بها آراءه المادية فقد خاب وما أصاب ولا أفلح وصق، ذلك أن خيرالخلق لا يوفيه بيان ولايفهم عنه ومنه وبه إلا من أكرمهم الله بحبه سبحانه وحب نبيهم أكثر مما سواهما قال رب العزة في الحديث القدسي " لو جاءوني من كل طريق واستفتحوا علي من كل باب، ما فتح لهم حتى يأتوا خلفك يا محمد". {4}
ففضل رسول الله ليس له حد فيعرب عنه ناطق بفم {5}
فيتعين على المكلف المأمور باتباع أوامر الله عز وجل واجتناب نواهيه، أن يعرف رسوله صلى الله عليه وسلم وذلك لأوجه عدة يتصل بعضها ببعض ويكمل بعضها بعضا نظما لعقد المحبة والصحبة والإتباع وتحليا بالأخلاق النبوية السمحة، وتبليغا لرسالة الإسلام الخالدة كما بلغا الحبيبب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
- أولها أن معرفة صفاته عليه الصلاة والسلام الخلقية والخلقية سبيل إلى امتلاء القلب بتعظيمه وإكرامه وتوقيره وإجلاله فإن العين إذا قرت أحبت وإن أحبت اتبعت وسارت بذلك على درب المحبوب تقتفي أثره وتطلب رضاه دنيا وأخرى. وتعظيمه صلى الله عليه وسلم سبيل إلى تعظيم شريعته السمحاء وسنته الغراء ومحجته البيضاء ذلك أن حرمة الحديث هي على قدر حرمة المتحدث به. قال عليه الصلاة والسلام: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي" {6} وقال أيضا: "من أحيا سنتي فقد أحبني ومن أحبني كان معي في الجنة" {7} وقال عليه الصلاة والسلام: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ". {8}
وتعظيم شريعته سبيل إلى العمل بها، والسبق و المسارعة للتحلي بها وذلك معنى من معاني الإتباع والإقتداء (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب).{9}
والقلب المعظم لرسول الله صلى الله عليه وسلم له أحوال ظاهرة وباطنة :
1- فمنها أن يكون متحريا عن كل شيء فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأتيه وليعمل به، وليجعله ديدنه، لكي يكون خير مقتد لخير أسوة، وخير خلف لخير سلف. وعن كل شيء لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ليجتنبه ويبتعد عنه بعد المشرقين فيكون مسيره ووقوفه معه ويكون حرصه على الموافقة مع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكون اتباعه اتباعا بحق ولزومه لغرزه بصدق قال أبو بكر لعمر رضي الله عنهما " الزم غرزه فأني أشهد أنه رسول الله ". {10}
2- ومنها أن يكون متخلقا بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم ومتصفا بصفاته "وأنى له!!" يسعى للتقرب إلى الله بالإهتداء والإقتداء، فليس تراه فحاشا ولا سبابا ولا عيابا ولا متكبرا، ولست تراه إلا كريما جوادا، متواضعا لله، يسبق حلمه غضبه وتسع رحمته الخلق فلا يرى فيهم إلا قضاء الله يجري وحكمته سبحانه وتصريفه .. قال تعالى وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ {11} وفي حديث أنس رضي الله عنه قال" كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقًا ". {12}
3- ومنها أن يكون قدوة لمن وراءه، مؤتمنا على دين الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، مبلغا أحسن تبليغ، شاهدا بحضوره مع الناس، داعيا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والخطاب اللين والسمت الحسن ومنتهى الأدب. فلا يكون سيفا مصلتا على الرقاب يفسق ويكفر ولا يأمر الناس إلا بما يعمله هو. قال تعالى " أتآمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وانتم تتلون الكتاب" {13} وقال أيضا (فبهداهم اقتد). {14}
تعصي الإله وأنت تظهر حبــــه هـــذا محــال في القياس بديـع
لـــو كــــان حبك صادقاً لأطعتـه إن المحب لمــن يحب مطيــــع
في كل يومٍ يبتديـك بنعمـةٍ منــه وأنت لشكـر ذاك مضيع {15}
4- ومنها أن يكون زاهدا في أمور الدنيا طالب للآخرة راغب في ما عند الله كما كان حبيبه صلى الله عليه وسلم الذي خيّره الله أن يكون ملكا نبيا أو عبدا نبيا فاختار أن يكون عبدا نبيا، فمظاهر زهده عليه الصلاة والسلام في الدنيا متعدده روتها أحاديث كثيرة منها ما رواه ابن عباس رضي الله عنه حيث قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يبيت الليالي المتتابعة طاوياً وأهله لا يجدون عشاءاً، وكان أكثر خبزهم الشعير) {16} وقال أنس بن مالك رضي الله عنه : (دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو على سرير مزمول بالشريط وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف ودخل عمر وناس من الصحابة فانحرف النبي صلى الله عليه وسلم فرأى عمر أثر الشريط في جنبه فبكى فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك يا عمر قال: ومالي لا أبكي وكسرى وقيصر يعيشان فيما يعيشان فيه من الدنيا وأنت على الحال الذي أرى فقال يا عمر: أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة قال : بلى قال: هو كذلك) {17} والمعظم الزاهد في الدنيا يجعل الآخرة نصب عينيه، ويتذكر السؤال عن النعم، وعن شكرها بالقلب واللسان، بالسر وبالعلن، دائما يقينه فيما عند الله أكبر من يقينه مما في يديه، تهون عنده الدنيا وتصغر قيمتها ويعطي كل ذي حق حقه، ويسأل الله كفافا وسترا وعدم مد اليد مفتقرا إلىيه متوكلا عليه مستغنيا به عمن سواه، محبا له بإعداده للبلاء جلبابا ومحبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بإعداداه للفقر جلبابا. والفقر إلى الله افتقار إليه ورجوع وأوبة و ليس تكلفت واصطناعا فكم من قلب مدع التقشف والزهد في الدنيا و هو بها متعلق وهي عنده حاضرة في كل كلمة وفكرة وخطرة . والله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده.
ظلمتُ سنَّةَ مـنْ أحيـا الظـلام إلـــى إنِ اشتكتْ قدماه الضـــــــرَ من ورمِ
وشدَّ مــــن سغبٍ أحشاءه وطـــوى تحت الحجارة كشْحـــاً مترف الأدمِ
وراودتْه الجبالُ الشـمُ من ذهــــــبٍ عن نفسه فــــأراهــا أيمـــا شــــمـــمِ
وأكدتْ زهده فيها ضـرورتُــــــــــه إنَّ الضرورة لا تعـــــدو على العِصَمِ
وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورةُ مـنْ لولاه لم تُخْرجِ الدنيـــــا من العـــــدمِ
محمد سيـد الكـونيــن والـثـقـليـــــن والفريقين من عُرْب ومنْ عجــمِ {18}
5- ومنها ألا يتحدث بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على طهارة و وضوء وأن يعظم كلامه كما عظمه الله من فوق سبع سماوات حيث قال "وما ينطق عن الهوى". {19}
محمد طاهر وساتر التهم {20}
6- ومنها أن يعظم آل بيت رسول الله ويحبهم ويكرمهم ما استطاع، ففي حبهم حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رضاهم رضاه قال عليه الصلاة والسلام " إنما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها وينصبني ما أنصبها" {21} وعن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (وأنا تارك فيكم ثقلين أوّلهما كتاب الله فيه الهدى والنّور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به فحثّ على كتاب الله ورغّب فيه ثمّ قال: وأهل بيتي أذكّركم الله في أهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي أذكّركم الله في أهل بيتي) {22}. وقال الشعبي: صلى زيد بن أرقم على جنازة أمه ثم قربت إليه بغلة ليركبها، فجاء عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فأخذ بركابه – أي يمسك ركاب البغلة لزيد بن ثابت رضي الله عنه، فقال له زيد: خلِّ عنه يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عبد الله بن عباس: هكذا نفعل بعلمائنا، فنزل زيد من على بغلته وقبل يد عبد الله بن العباس، وقال هكذا أمرنا أن نفعل بآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. {23}
يا آل بيت رســـــول الله حبكـم فرض من الله فـــي القـــرآن أنزله
يكفيكم من عظيم الفخـــر أنكـم من لم يصل عليكم لا صلاة له {24}
7- ومنها أن يرى هائما في رسول الله منقطعا إليه لا يشغله عنه شاغل ولا يلتفت عنه إلى سواه وهذا مقام حضور وشهود أعطاه الله خاصة أوليائه وأصفيائه الذين اجتمعت حركاتهم وسكناتهم وفكرهم وذكرهم في رسول الله الأعظم الاكرم.
وتـأخـذ قلبي نـشوة عند ذكركم كما ارتاح صـب خامرته خمور
أصوم عن الأغيار قطعا ً وذكركم سحور لصومي في الهوى وفطور
ومدح رسول الله أصل سـعادـتي أفـوز بـه يـوم السماء تـمور
نبي تـقـي أريـحـي ّ مـهـذب بـشـيـر لـكـل العالمين نذير
إذ ذكـر ارتاحـت قـلوب لذكـره وطابت نفوس وانشرحن صدور{25}
- ثانيها أن معرفة صفاته عليه الصلاة والسلام إبراز لصور جماله وجلاله، وإدراك لمنتهى صنع الكمال في حقه عليه الصلاة والسلام وذكر لحسنه الفائق ووجهه الرائق وذوقه الراقي وأدب معاشرته وحسن ملاطفته وكل ذلك وسيلة إلى محبته ومسلك إلى حسن صحبته صلى الله عليه وسلم فلا حسن يماثل حسنه عليه السلام ولا خلق ولا خلق.
فعن أنس بن مالك أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم متى الساعة يا رسول الله قال ما أعددت لها قال ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة ولكني أحب الله ورسوله قال أنت مع من أحببت" {26} وقال أيضا " ما اختلط حبي بقلب أحد فأحبني إلا حرم الله جسده على النار ". {27}
فقد حكى الثعالبي "عن ثوبان رضي الله عنه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان شديد الحب له قليل الصبر عنه فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه ونحل جسمه يعرف في وجهه الحزن فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : يا ثوبان ما غيّر لونك فقال يا رسول الله مابي صبر ولا وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك ثم ذكرت الآخرة وأخاف أن لا أراك هناك لأني عرفت أنك ترفع مع النبيين وأني إن دخلت الجنة كنت في منزلة هي أدنى من منزلتك وإن لم أدخل فذلك حين لا أراك أبداً" {28} فأنزل الله هذه الآية: "ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً ". {29}
- ثالثهما أن معرفة صفاته عليه الصلاة والسلام خدمة لشخصه صلى الله عليه وسلم وتعلق بجنابه الشريف ولزوم لأعتابه ونزول عند بابه لكي يحصل الإنتساب الشريف ويحظى به القلب الشغوف كما حظي به سلمان الفارسي رضي الله عنه.
الإسعاد في شرح قصيدة بانت سعاد
الإسعاد في شرح قصيدة "بانت سعاد" (2)
للشاعر الصحابي الجليل كعب بن زهير
محمد رسول الله الممدوح
ذ. توفيق بهاج
سيدنا محمدا رسول الله أفضل العالمين
إعلم حفظك الله ورعاك أن الله قد خلق الإنسان ليعبده ، وجعل له من المدارك والجوارح ما يستعين بها على معرفته وسخر له باقي مخلوقاته وغيرها من الكائنات ليحمده، فأمره أن يخلص له في العبادة ويفرده بالوحدانية ويذكره سرا وعلانية، ويشكره عن الآلاء الكثيرة والنعم الجليلة التي لا تعد ولا تحصى عسى يقبله الله مع المقبولين ويفتح له أبواب السعادة يدخلها مع المأجورين ويكرمه بجنة النعيم مع المقربين.
قال تعالى: "وماخلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"{1} أي ليعرفون وقال أيضا: "فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم". {2}
ولما كان على الإنسان وجوب معرفته تعالى وتحقيق عبوديته له، كان لابد عليه أن يعرف ما يجب في حقه سبحانه وما يجوز وما يستحيل ولا سبيل لمعرفة ذاك إلا بمعرفة خير خلقه الدال عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء والمرسلين، والملائكة المقربين، وجميع عباد الله الصالحين، وكافة الخلق أجمعين إفرادا وإجمالا قال تعالى " الرحمان فاسأل به خبيرا". {3}
فمعرفة حقوقه صلى الله عليه وسلم وصفاته الحميدة وفضائله المجيدة وشمائله الكريمة وخصائصه العظيمة وأقواله وأفعاله.. أساس كل سلوك، ومبلغ كل قصد، فليس بدونه فلاح ولا لآحد بلوغ أسباب نجاح إذا لم يتخذ رسول الله بغيته، ولم يجعله قبلته، وإن انقاد مع العقل يستعليه والهوى يسترضيه ونظر إلى رسول الله نظرة البشرية وألحق بها آراءه المادية فقد خاب وما أصاب ولا أفلح وصق، ذلك أن خيرالخلق لا يوفيه بيان ولايفهم عنه ومنه وبه إلا من أكرمهم الله بحبه سبحانه وحب نبيهم أكثر مما سواهما قال رب العزة في الحديث القدسي " لو جاءوني من كل طريق واستفتحوا علي من كل باب، ما فتح لهم حتى يأتوا خلفك يا محمد". {4}
ففضل رسول الله ليس له حد فيعرب عنه ناطق بفم {5}
فيتعين على المكلف المأمور باتباع أوامر الله عز وجل واجتناب نواهيه، أن يعرف رسوله صلى الله عليه وسلم وذلك لأوجه عدة يتصل بعضها ببعض ويكمل بعضها بعضا نظما لعقد المحبة والصحبة والإتباع وتحليا بالأخلاق النبوية السمحة، وتبليغا لرسالة الإسلام الخالدة كما بلغا الحبيبب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
- أولها أن معرفة صفاته عليه الصلاة والسلام الخلقية والخلقية سبيل إلى امتلاء القلب بتعظيمه وإكرامه وتوقيره وإجلاله فإن العين إذا قرت أحبت وإن أحبت اتبعت وسارت بذلك على درب المحبوب تقتفي أثره وتطلب رضاه دنيا وأخرى. وتعظيمه صلى الله عليه وسلم سبيل إلى تعظيم شريعته السمحاء وسنته الغراء ومحجته البيضاء ذلك أن حرمة الحديث هي على قدر حرمة المتحدث به. قال عليه الصلاة والسلام: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي" {6} وقال أيضا: "من أحيا سنتي فقد أحبني ومن أحبني كان معي في الجنة" {7} وقال عليه الصلاة والسلام: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ". {8}
وتعظيم شريعته سبيل إلى العمل بها، والسبق و المسارعة للتحلي بها وذلك معنى من معاني الإتباع والإقتداء (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب).{9}
والقلب المعظم لرسول الله صلى الله عليه وسلم له أحوال ظاهرة وباطنة :
1- فمنها أن يكون متحريا عن كل شيء فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأتيه وليعمل به، وليجعله ديدنه، لكي يكون خير مقتد لخير أسوة، وخير خلف لخير سلف. وعن كل شيء لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ليجتنبه ويبتعد عنه بعد المشرقين فيكون مسيره ووقوفه معه ويكون حرصه على الموافقة مع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكون اتباعه اتباعا بحق ولزومه لغرزه بصدق قال أبو بكر لعمر رضي الله عنهما " الزم غرزه فأني أشهد أنه رسول الله ". {10}
2- ومنها أن يكون متخلقا بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم ومتصفا بصفاته "وأنى له!!" يسعى للتقرب إلى الله بالإهتداء والإقتداء، فليس تراه فحاشا ولا سبابا ولا عيابا ولا متكبرا، ولست تراه إلا كريما جوادا، متواضعا لله، يسبق حلمه غضبه وتسع رحمته الخلق فلا يرى فيهم إلا قضاء الله يجري وحكمته سبحانه وتصريفه .. قال تعالى وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ {11} وفي حديث أنس رضي الله عنه قال" كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقًا ". {12}
3- ومنها أن يكون قدوة لمن وراءه، مؤتمنا على دين الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، مبلغا أحسن تبليغ، شاهدا بحضوره مع الناس، داعيا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والخطاب اللين والسمت الحسن ومنتهى الأدب. فلا يكون سيفا مصلتا على الرقاب يفسق ويكفر ولا يأمر الناس إلا بما يعمله هو. قال تعالى " أتآمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وانتم تتلون الكتاب" {13} وقال أيضا (فبهداهم اقتد). {14}
تعصي الإله وأنت تظهر حبــــه هـــذا محــال في القياس بديـع
لـــو كــــان حبك صادقاً لأطعتـه إن المحب لمــن يحب مطيــــع
في كل يومٍ يبتديـك بنعمـةٍ منــه وأنت لشكـر ذاك مضيع {15}
4- ومنها أن يكون زاهدا في أمور الدنيا طالب للآخرة راغب في ما عند الله كما كان حبيبه صلى الله عليه وسلم الذي خيّره الله أن يكون ملكا نبيا أو عبدا نبيا فاختار أن يكون عبدا نبيا، فمظاهر زهده عليه الصلاة والسلام في الدنيا متعدده روتها أحاديث كثيرة منها ما رواه ابن عباس رضي الله عنه حيث قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يبيت الليالي المتتابعة طاوياً وأهله لا يجدون عشاءاً، وكان أكثر خبزهم الشعير) {16} وقال أنس بن مالك رضي الله عنه : (دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو على سرير مزمول بالشريط وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف ودخل عمر وناس من الصحابة فانحرف النبي صلى الله عليه وسلم فرأى عمر أثر الشريط في جنبه فبكى فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك يا عمر قال: ومالي لا أبكي وكسرى وقيصر يعيشان فيما يعيشان فيه من الدنيا وأنت على الحال الذي أرى فقال يا عمر: أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة قال : بلى قال: هو كذلك) {17} والمعظم الزاهد في الدنيا يجعل الآخرة نصب عينيه، ويتذكر السؤال عن النعم، وعن شكرها بالقلب واللسان، بالسر وبالعلن، دائما يقينه فيما عند الله أكبر من يقينه مما في يديه، تهون عنده الدنيا وتصغر قيمتها ويعطي كل ذي حق حقه، ويسأل الله كفافا وسترا وعدم مد اليد مفتقرا إلىيه متوكلا عليه مستغنيا به عمن سواه، محبا له بإعداده للبلاء جلبابا ومحبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بإعداداه للفقر جلبابا. والفقر إلى الله افتقار إليه ورجوع وأوبة و ليس تكلفت واصطناعا فكم من قلب مدع التقشف والزهد في الدنيا و هو بها متعلق وهي عنده حاضرة في كل كلمة وفكرة وخطرة . والله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده.
ظلمتُ سنَّةَ مـنْ أحيـا الظـلام إلـــى إنِ اشتكتْ قدماه الضـــــــرَ من ورمِ
وشدَّ مــــن سغبٍ أحشاءه وطـــوى تحت الحجارة كشْحـــاً مترف الأدمِ
وراودتْه الجبالُ الشـمُ من ذهــــــبٍ عن نفسه فــــأراهــا أيمـــا شــــمـــمِ
وأكدتْ زهده فيها ضـرورتُــــــــــه إنَّ الضرورة لا تعـــــدو على العِصَمِ
وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورةُ مـنْ لولاه لم تُخْرجِ الدنيـــــا من العـــــدمِ
محمد سيـد الكـونيــن والـثـقـليـــــن والفريقين من عُرْب ومنْ عجــمِ {18}
5- ومنها ألا يتحدث بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على طهارة و وضوء وأن يعظم كلامه كما عظمه الله من فوق سبع سماوات حيث قال "وما ينطق عن الهوى". {19}
محمد طاهر وساتر التهم {20}
6- ومنها أن يعظم آل بيت رسول الله ويحبهم ويكرمهم ما استطاع، ففي حبهم حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رضاهم رضاه قال عليه الصلاة والسلام " إنما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها وينصبني ما أنصبها" {21} وعن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (وأنا تارك فيكم ثقلين أوّلهما كتاب الله فيه الهدى والنّور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به فحثّ على كتاب الله ورغّب فيه ثمّ قال: وأهل بيتي أذكّركم الله في أهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي أذكّركم الله في أهل بيتي) {22}. وقال الشعبي: صلى زيد بن أرقم على جنازة أمه ثم قربت إليه بغلة ليركبها، فجاء عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فأخذ بركابه – أي يمسك ركاب البغلة لزيد بن ثابت رضي الله عنه، فقال له زيد: خلِّ عنه يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عبد الله بن عباس: هكذا نفعل بعلمائنا، فنزل زيد من على بغلته وقبل يد عبد الله بن العباس، وقال هكذا أمرنا أن نفعل بآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. {23}
يا آل بيت رســـــول الله حبكـم فرض من الله فـــي القـــرآن أنزله
يكفيكم من عظيم الفخـــر أنكـم من لم يصل عليكم لا صلاة له {24}
7- ومنها أن يرى هائما في رسول الله منقطعا إليه لا يشغله عنه شاغل ولا يلتفت عنه إلى سواه وهذا مقام حضور وشهود أعطاه الله خاصة أوليائه وأصفيائه الذين اجتمعت حركاتهم وسكناتهم وفكرهم وذكرهم في رسول الله الأعظم الاكرم.
وتـأخـذ قلبي نـشوة عند ذكركم كما ارتاح صـب خامرته خمور
أصوم عن الأغيار قطعا ً وذكركم سحور لصومي في الهوى وفطور
ومدح رسول الله أصل سـعادـتي أفـوز بـه يـوم السماء تـمور
نبي تـقـي أريـحـي ّ مـهـذب بـشـيـر لـكـل العالمين نذير
إذ ذكـر ارتاحـت قـلوب لذكـره وطابت نفوس وانشرحن صدور{25}
- ثانيها أن معرفة صفاته عليه الصلاة والسلام إبراز لصور جماله وجلاله، وإدراك لمنتهى صنع الكمال في حقه عليه الصلاة والسلام وذكر لحسنه الفائق ووجهه الرائق وذوقه الراقي وأدب معاشرته وحسن ملاطفته وكل ذلك وسيلة إلى محبته ومسلك إلى حسن صحبته صلى الله عليه وسلم فلا حسن يماثل حسنه عليه السلام ولا خلق ولا خلق.
فعن أنس بن مالك أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم متى الساعة يا رسول الله قال ما أعددت لها قال ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة ولكني أحب الله ورسوله قال أنت مع من أحببت" {26} وقال أيضا " ما اختلط حبي بقلب أحد فأحبني إلا حرم الله جسده على النار ". {27}
فقد حكى الثعالبي "عن ثوبان رضي الله عنه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان شديد الحب له قليل الصبر عنه فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه ونحل جسمه يعرف في وجهه الحزن فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : يا ثوبان ما غيّر لونك فقال يا رسول الله مابي صبر ولا وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك ثم ذكرت الآخرة وأخاف أن لا أراك هناك لأني عرفت أنك ترفع مع النبيين وأني إن دخلت الجنة كنت في منزلة هي أدنى من منزلتك وإن لم أدخل فذلك حين لا أراك أبداً" {28} فأنزل الله هذه الآية: "ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً ". {29}
- ثالثهما أن معرفة صفاته عليه الصلاة والسلام خدمة لشخصه صلى الله عليه وسلم وتعلق بجنابه الشريف ولزوم لأعتابه ونزول عند بابه لكي يحصل الإنتساب الشريف ويحظى به القلب الشغوف كما حظي به سلمان الفارسي رضي الله عنه.